الثلاثاء، 26 مايو 2009

أغيب و ذو اللطائف لا يغيب

أغيب و ذو اللطائف لا يغيب .


أغيب و ذو اللّطائف لا يغيبُ *** وأرجوه رجاء لا يخيبُ

وأســألــهُ السلامة من زمـان *** بـُليت به نوائبه تـُـشيـب

واُنزل حاجتي في كل حال *** إلى من تطمئن به القلوب

فــكـم لله من تدبير أمر *** طوته عن المشاهدة الـغيوب

وكم في الغيب من تيسير عسر *** ومن تفريج نائبة تنوب

ومن كرم ومن لطف خفي *** ومن فرج تزول به الكروب

ومَــنْ لي غير باب الله باب *** ولا مولا ً سواه ولا حبيب

كــريم منعم برّ ٌ لــطيف *** جميل السـتر للـداعي مجيب

حـليم لا يعاجل بالخطايا *** رحيم غيثُ رحمته يصوب

فيا ملك الملوك أقِـل عِثاري *** فإني عنك أنـأتني الذنوب

وأمرضني الهوى لهوان حظي *** ولكن ليس غيرك لي طبيب

فــآمِـن روعتي واكبت حسودا *** فــإن النائبات لها نيوب

وآنــسني بأولادي وأهلي *** فقد يستوحش الرجل الغريب

ولــي شجن بأطفال صغار *** أكــاد إذا ذكــرتهم أذوب

ولــكني نبــذت زمام أمري *** لـمن تدبيره فينا عجيب

هو الرحمان حـولي واعتصامي *** به وإليه مبتهلا أ ُتيب

إلــهي أنت تعلم كـيف حالي *** فهل يا سيدي فرج قريب

فــيا ديـان يوم الدين فرج *** هـموما في الفؤاد لها دبيب

وصل حبلي بحبل رضاك وانظر*** إليّ وتب علي عسى أتوب

وراع حـمايتي وتول نصري *** وشُـدّ عُراي إن عرت الخطوب

وألــهمني لــذكرك طول عمري *** فإن بذكـرك الـدنيا تـطيب

وقــل عــبد الرحــيم ومن يلــيه *** لهم في ريف رأفتنا نصيب

فظــني فيك يا سندي جميل *** ومرعى ذود آمــالي خصيب

وصــــلّ عـــلى النبي وآلـه *** ما تــرنّم في الأراك الــعندليب

الثلاثاء، 12 مايو 2009

سر توقف الإسلام في أفريقيا



قارة أفريقيا أحدي البقاع التي شهدت انتشارا كبيرا للإسلام, وهو ما حدا بالدكتور حمدان بالقول في كتاب سابق له بعنوان "أفريقيا الجديدة" قام بتأليفه في الستينات , يتنبأ فيه بتحول كل القارة السمراء إلى الإسلام ,, لكن للأسف شهد انتشار الإسلام بطئ نسبي ويفسر هنا هذا التراجع بقوله:

الظاهرة الحقيقية والحيرة للغاية هي الانقلاب الذي طرأ علي وضع الإسلام ودرجة تقبله أو رفضه في أفريقيا الجديدة بعد التحرر, فقديما كان التحول للإسلام يتم في سهولة وسلام وبإقبال شخصي شديد من أصحابه الذين يرونه وسيلة للتحرر والكرامة, لكن بعد التحرر السياسي وخروج الاستعمار حدث العكس, وأصبحت هناك عقدة نفسية ضد الإسلام ورفض حاد له باعتباره وسيلة لسلب الإنسان من حريته الشخصية.

لا شك أن أصابع الدول الاستعمارية خلق ذلك في الحالين, فقد كان الاستعمار لا يحارب الإسلام علنا أو مباشرة , ولكنه كان يحاصره بطرق غير مباشرة, فقد كان يعطي كل الفرص للوثنين المتنصرين أو المسيحيين من فئات الاستعمار , فكانوا "متأوربين" وجاهزين للسلطة والحكم حين ذهب الاستعمار بينما كان المسلمون في كتاتيبهم ودراساتهم الدينية لا يصلحون لشئ فعلا. وبعدها بدأت الدولة الجديدة تحارب الإسلام, فتحول من المد إلى الجزر.

الخميس، 7 مايو 2009

كونتا عمر كينتا..الزنجي الذي تحول إلى أسطورة











في بداية ربيع 1750 , وفي قرية "جوفور" علي مسيرة أربعة أيام من ساحل جامبيا في غرب أفريقيا ولد طفل ذكر لـ"عمر" "Omaro" و"بينتا كنت" مستمدا قوته من جسد بينتا القوي, وكان أسود مثلها تجري في عروقه دماؤها.

تلك كانت مقدمة رواية الجذور Roots للكاتب الأمريكي اليكس هايلي (1921 – 1992) الصادر عن مكتبة مدبولي في 730 صفحة من الحجم المتوسط, والجذور هي ملحمة عائلة أمريكية غير عادية لرجل يبحث عن أصوله, يحكي فيها اليكس قصة حياة جده الأفريقي كونتا كنتي وكيف تم أسره بواسطة تجار العبيد وبيع في أمريكا , صدرت هذه الرواية عام 1976, وترجمت إلى 37 لغة وبيع منها أكثر من 50 مليون نسخة وأصبحت أساسا لمسلسل تليفزيوني حمل نفس الاسم حقق نجاحا كبيرا.

كشفت الجذور عن الطريقة الهمجية التي مارستها أوروبا في اصطياد الأفارقة وبيعهم كعبيد في أوروبا وأمريكا للعمل بالسخرة في مزارع العبيد دون أن ينالوا أي حقوق أدمية, وكان للرواية صدي كبيرا في الأوساط الأمريكية والعالمية, وحفرت أسم كونتا كنتي في أذهان الملايين من شعوب العالم حتى أصبح رمز من رموز التمر علي العبودية... ولنقرأ سويا في الرواية:

فرح "عمر" بميلاد ابنه كثيرا, واختار له اسم "كونتا" وهو اسم جد الطفل "كيرابا كونتا كنتي" الذي جاء من موريتانيا إلى جامبيا حيث أنقذ أهل "جوفور" من المجاعة.. فقد أصيبت القرية بقحط شديد, حيث لم تكن هناك أمطار كثيرة كافية, ورغم أن الناس قد دعوا الله كثيرا إلا أن كل شئ كان يموت ويفني, ووقع المزيد من الناس مرضي, وترك البعض الأخر القرية هربا حتى أرشد الله خطوات الولي الصالح "كايرابا كونتا كنتي" إلى القرية فإنقاذها من الجوع.

عاش كونتا مع أسرته حياة هادئة, يسودها السلام, وفي جوانب العرض الرائع لاليكس هالي نلمح كيف كان سكان "جامبيا" يتمسكون بالإسلام , فعندما أصابهم يوما ما قحط فضلوا أن يموتوا جوعا علي أكل الخنازير.. وعندما بلغ كونتا السن التي تؤهله للعمل خرج لرعي بعض الماعز لوالده..وبعد الرعي يذهب إلى كتاب القرية لحفظ القرآن الكريم وتعلم اللغة العربية.




أفريقيا..ليست شبح دخان

الشائع لدي الكثير منا أن أفريقيا هي غابات وأحراش يسكنها قوما لا يفقهون شيئا, قد كان للفكر الاستعماري دور في ترويج هذه الشائعات لخدمة أغراضه الاستعمارية.

ومن خلال قراءتنا للرواية يذكر هايلي الكثير عن الحضارة الأفريقية.. فالقوافل تجوب أفريقيا من الشمال إلى ساحل أفريقيا الغربي, يقول الكس: " لكن حتي "غانا" لم تكن أغني الممالك السوداء. بل كانت الدولة الأكثر ثراء علي الإطلاق والأقدم عمرا هي مملكة مالي . ومثل كل الإمبراطوريات والممالك كان لـ"مالي" مدنها ومزارعها وصناعها وحدادوها ودباغوها.

ولكن ثروتها الضخمة أتت من طرق التجارة البعيدة في الملح والذهب والنحاس, والمسافة إليها تستغرق أربعة أشهر من السفر طولا ومثلها عرضا, وأعظم المدن هي المدينة الخرافية "تمبوكتو" وهي المركز الرئيسي الهام للتعليم في كل أفريقيا وكانت مسكونة بآلاف الطلبة ويزورها العديد من أفواج الزائرين من الحكماء بحثا عن زيادة معلوماتهم".

تجارة العبيد

حكت عجوز في القرية لكونتا عن تجارة العبيد فقالت: لقد هجم الرجال البيض ومعهم السود الخونة علي قريتها, أشعلوا النيران فيها, ومن نجا من النيران واستطاع الهرب من لهيبها وجد في انتظاره المغيرون البيض ومعهم الخونة السود, ويتم اقتيادهم في وحشية, أما الذين جرحوا بشدة أو العجائز أو الصغار ممن لا يستطيعون السفر فيقتلوا أمام أعين الأخرين.

ويتم ربط المساجين المساكين من رقابهم معا بالحبال ويقتادوا عبر الجو الحار والقاسي لعدة أيام, ومن يبطأ في حركته يسقط السوط علي ظهره, وبعد أيام قليلة كان المزيد من المأسورين يسقطون من الجوع والارهاق, والبعض قاوم, ومن لم يستطع المقاومة يتم تركه فريسة للحيوانات المتوحشة.

ولأن البيض كانوا أكبر مصدر للخطر فقد حرص "عمر" على تحذير ابنه من الخروج بمفرده إلى مكان بعيد عن القرية, وتحدث عمر مع ولديه "كونتا" و"لامين" شقيق كونتا فقال لهم أنه و شقيقيه "جانيه" و"سولوم" قررا الذهاب في رحلة ليروا مع يفعل "الطوبوب" – وهو الأسم الذي كان الأفريقيين يطلقوه علي الرجال البيض – وسار الإخوة الثلاثة علي طول ضفتي نهر "كامبي بولونجي" – نهر جامبيا- إلى أن عثروا علي عشرين زورقا ضخما, ويقوم البيض بوضع الأسري في "زرائب" طويلة من البامبو عليها حراسة قوية, وعندما تحضر الزوارق الصغيرة فإن الناس المسروقين يجرون خارج تلك الزرائب علي الرمال وقد حلقت رؤوسهم وطليت أجسامهم بالشحوم لتلمع, ويقوم البيض بفحص أسنان السود, والتفتيش علي الأجزاء السرية للرجال والنساء, ثم يدفعونهم بأختام معدنية حامية علي ظهورهم وأكتافهم وبعد ذلك يشحن الناس وهو يقاومون ويصرخون فوق الماء حيث تنتظرهم زوارق صغيرة لتنقلهم إلى الزوارق الكبيرة. ومن يقاوم أثناء وجوده في الزورق ويسقط في الماء يكون فريسة سهلة لأسماك القرش.

تدريبات الرجولة

وصل كونتا الآن إلى سن العاشرة, وتخرج في كتًاب القرية بعد ان نجح في كتابه اسمه باللغة العربية وقرأ بعض آيات من القرآن الكريم, وأنتقل كونتا ورفاقه من نفس السن بعدها إلى مكان بعيد عن القرية ليتلقوا فيه تدريبات الرجولة.. حيث كان سكان جامبيا قد تعودوا في ذلك الزمن على ارسال أولادهم إلى معسكر خاص يشرف علي تدريب أولادهم ليصبحوا رجالا أشداء يعتمد عليهم ويتحملوا بعدها تكاليف الحياة.. وقد ساعدت التدريبات التي تلقاها "كونتا" حينما صار عبدا في أمريكا.

في الأسر

صلي كونتا صلاة الفجر وأخذ نفسا عميقا وانطلق نحو المجري المائي بسرعة ومعه كلبه "الوولو" من أجل البحث عن خشب في الغابة يصلح كاطار لطبلته.

وجد جذعا منحنيا واعتقد أنه المطلوب عندما سمع رفرفة حادة لجناحين تبعها بسرعة صياح ببغاء فوق رأسه, استدار بسرعة وفي لمح البصر رأي وجه أبيض مندفعا نحوه وهراوة تٌرفع وسمع صوت خطوات ثقيلة خلفه.. دخل كونتا في معركة غير متكافئة مع عدد من الرجال.. بذل أقصي ما يستطيع ليفلت منهم..غرس اسنانه في لحمهم وأدخل أصابعه في عيونهم ..ويهوي فرع الشجرة علي رأس كونتا..أخذ يحاول الوقوف علي قدميه وهو يتلوي بوحشية ويحاول التملص ليهرب من المزيد من ضربات فرع الشجرة والدماء تسيل من رأسه المشقوق..تساءل : كيف لم يسمعهم ولم يشمهم ولم يحس بهم؟

مرة أخري يصطدم فرع الشجرة برأس كونتا..كان رأسه علي وشك الانفجار وجسده يرتجف والغضب يتملكه من ضعفه وتراجع للخلف وزأر وهو يطير في الهواء وكل شئ أصبح غير واضح.. إنه يقاتل الآن من أجل أكثر من حياته من أجل عمر وأمه بينتا وأشقاه..اصطدم فرع الشجرة برأس كونت أصبح كل شئ اسود.


في قبر السفينة

هذا هو الجزء الذي وصفه الكس هالي بأنه كان أصعب جزء علي نفسه عند كتابة "الجذور" , كيف يصف في كلمات رحلة العذاب الطويلة التي تقطعها السفينة من ساحل أفريقيا إلى ساحل أمريكا الشرقي.. رحلة تمتد لعدة أشهر عبر محيط متقلب الأجواء وفي مكان أقل ما يوصف أنه قبر. ولنقرأ في الرواية:

استيقظ كونتا ليجد نفسه نائما علي ظهره بين رجلين آخرين في حفرة من الظلام مملوءة ببخار الحرارة والرائحة القذرة التي تصيب بالمرض.. وهرج مجنون من الصراخ والعويل والتوسل والقئ.. كان كل جسده كتله من الألم والضرب الذي تلقاه لمدة أربعة أيام. وفي ثورة الغضب العارم أخذ كونتا يشد ويركل الكلبشات التى تربط وسطيه وعقبيه, ومد رأسه لأعلي فاصطدمت بالخشب ..انصت السمع فسمع المزيد من الصرخات ولكنها كانت مكتومة وآتيه من أسفل ألواح الحشب المتشققة التى استلقي فوقها.. انصت بانتباه أكثر وبدأ يتعرف علي مختلف اللغات. وفوق كل اللغات جاءت صيحة بالعربية من أحد "الفولاني":
- الله في السماء ساعدني.

أجبرت الرائحة النتنة كونتا علي اخراج ما بطنه..تساءل أي خطيئة ارتكبها ويعاقب عليها بهذه الطريقة؟ توسل الى الله ان يجد أجابة. كان يكفيه خطيئة أنه لم يصل مرة واحدة منذ الصباح الذي ذهب فيه إلى الغابة ليصنع طبلته . ورغم أنه لا يستطيع أن يقعد علي ركبتيه ولا يعرف حتي اين اتجاه القبلة فإنه أغمض عينيه حتي استلقي وصلي طالبا مغفرة الله.


رفض كونتا الطعام الذي يقدم له ..لم يكون طعاما إنما شئ صلب لا تتحمله المعدة.. كانت رحلة عصيبة, عاني فيها المحبوسون من آلام الأسر , والجوع , الرائحة النتنة من قياءهم وبولهم وبرازهم, وقرصات قمل الجسد, امتلا كل المحبس بالقمل والبراغيث, والفئران ضخمة الحجم التي كانت تعض الجروح المتقيحة.

الوصول إلى أمريكا

وصلت السفينة لورد ليجونيار Lord Lingonier إلى ميناء أنابوليس في 29 سبتمبر 1767, سيطرت علي كونتا فكرة الهرب لكنه تذكر صوت مدربه في معسكر الرجولة: الرجل الحكيم من يتعلم من الحيوانات التي تقع في الأسر فتبدو أنها استسلمت حتى توفر طاقتها وفي الوقت المناسب تلوذ بالفرار من صيادها.

وفي المزاد, قام جون وولر بشراء كونتا بمبلغ 850 دولارا, كان كونتا يعلم فقط أن عليه أن يهرب من هذا المكان المخيف أو يموت في المحاولة. لم يجرؤ علي الحلم أن يري "جوفور" مرة ثانية ولكن إذا فعل فقد أقسم أن كل جامبيا ستعلم كيف تبدو أرض "الطوبوب".. حاول الهرب أربعة مرات.. وبعد كل محاولة هرب فاشلة يتعرض لأقسي أنواع التعذيب لكنه يصر علي الهرب.. رفض أن يأكل من لحم الخنزير حتى لو مات جوعا ..حرص يوميا علي التوجه بالصلاة إلى الله ليساعده علي نيل حريته ..بعد أن فشل في محاولة الهرب الثالثة وأصيبت قدمه بطلق ناري فكر في محاولة جديدة للهرب..أختبأ في عربة لنقل التبغ..أحس بالسعادة حينما وجد نفسه يقفز من صندوق العربة دون أن يلاحظه أحد ..اختبأ داخل دغل, وظل يجري نحو الشرق نحو أفريقيا, لكن كيف يعبر المياه العظيمة, ليكن معه الله, لكن ما هذا؟ أنه يسمع نباح كلاب ..هل عثروا عليه مرة أخري؟ استدار ووقف في فسحة صغيرة, كان ممسكا بفرع شجرة في يده اليمني, وأشاح بالفرع في وجه الكلاب فتقهقرت بعيدا عنه, كان مطارديه رجلان من البيض الذين يصطادوا السود الذين يهربون من أسيادهم.

دخل في معركة معهم وضرب احد الرجلين بحجر في وجهه, فمرقت رصاصة بجوار أذن كونتا والكلاب أصبحت فوقه, وضربه احدهم بكعب البندقية في رأسه, صارعوه بعنف نحو شجرة ومزقوا ملابسه وخلعوها عنه وقيدوه بقوة حول جذع الشجرة, وأمسك أحد البيض بفأس صغيرة وأشار إلى قدم كونتا, وأمسك الأخر بسكين وأشار بها إلى جهازه التناسلي, صرخ كونتا صاح في أعماق نفسه أن أي رجل ليكون رجلا يجب أن يكون له أبناء .. وطارت يد "كونتا" لتغطي أعضاءه..وهوت الفأس علي قدم كونتا فأطاحت بمقدمتها وصار كل شئ مظلما.

غضب السيد ويليام وولر من قطع قدم كونتا فقام يشراءه من أخيه.. وعالجه من الجرح...وفي مزرعة استطاع "كونتا" أو "توبي" كما كانوا يطلقون عليه أن يبدأ حياة جديدة ويتاقلم بعض الشئ مع السود الذين يعملون في نفس المزرعة

وتكشف "الجذور" عن المعاناة التي قاساها الأفارقة في ظل العبودية.. يقول اليكس "كانت كل القوانين في أمريكا تصب ضد مصلحة السود, فإذا ضبط أبيض زنجي يحاول الهرب يمكنه أن يقتله ولا عقاب عليه, ولا يسمح القانون للزنوج بحمل السلاح أو حتى عصا, ويقول القانون عشرين جلدة إذا تم أمساك أسود دون تصريح سفر, وعشر جلدات إذا نظر إلى البيض في عيونهم, وثلاثين إذا رفع يده ضد مسيحي, ولا جنازة لزنجي حتى لا تنقلب لاجتماع, ويقول القانون تقطع أذن الزنجي إذا اقسم الناس البيض انك تكذب والأذنان إذا ادعوا أنك تكذب مرتين, والقانون يقول إذا قتلت ابيض تشنق وإذا قتلت زنجيا أخر تجلد"


الجذور

تزوج كونتا في سن الـ39 من "بيل" الطاهية في المنزل الكبير, وأنجب منها بنتا في 12 سبتمبر 1790 اسماها "كيزي"..كانت تقريبا في نفس سواده, وأصر كونتا علي تعليم ابنته كل شئ عن أفريقيا, لكنه شعر بالغضب الشديد عندما أردت أمها ان تذهب بها للكنيسة لتعميدها.. وفي كل جولة كانت تخرج معه الطفلة كان يسمي لها الأشياء بلغة المانديكا .."أشار إلى نهر صغير ضحل كانا يمران به فقال "بولونج" وأخبرها أنه في وطنه كان يعيش بالقرب من نهر يسمي "كامبي بولونجي".

وعندما بلغت "كيزي" تعرفت علي "نوح", وهو شاب يكبرها بسنتين..فكر نوح في الهرب إلي الشمال ومن هناك يستطيع أن يعمل ويشتري حرية كيزي..وافق كونتا علي ذلك بشرط أن لا تدخل كيزي في عملية الهرب لكن نوح احتاج على تصريح مرور ليقدمه للسلطات اذا اعترضت طريقة فقامت كيزي بتزوير التصريح..لكن السلطات اكتشفت التزوير وقامت بتعذيب نوح حتى اعترف أن "كيزي" هي التي كتبت التصريح.. وحينما علم سيدها بالأمر أصر علي بيعها.

أصيب كونتا بالصدمة حينما سمع الخبر, أنها ابنته الوحيدة..حاول أن ينقذها بكل ما يستطيع "انقذني يا والدي" فأمسك بالسلاسل في جنون ..عندها دوت رصاصة من مسدس الشريف بجوار أذن كونتا فوقع علي ركبته وأحس برأسه يكاد ينفجر..هجمت "بيل" علي الشريف فلطمها بقوة أطاحت بها على الأرض وقام بحمل كيزي ووضعها في العربة وانطلق بها مهرولا..حاول كونت ان يتشبث بالعربة وراح يجري وراءها في ذهول حتي اختفت السيارة ..لقد ذهبت كيزي ولن تعود ..ولن يراها مرة اخري.

ومن هذه النقطة لن تحدثنا الرواية عن باقي حياة كونتا كنتي ..كانت سنه آنذاك 55 سنه.. وتنتقل بنا الرواية لتحكي لنا المأساة التي تعرضت لها كيزي..فقد اشتراها سيد جديد من ولاية كارولينا اسمه توم لي..كان مجرد أفاق حتى نجح في جمع ثروة من مصارعة الديوك ..في الليلة الأولي لكيزي في مزرعة توم لي قام باغتصابها بطريقة وحشية, واستمر يمارس ذلك لسنوات .

أنجبت كيزي ولدا في شتاء 1806 ..كانت تتمني ان تسميه كونتا أو كنتي ..لكنها خشت غضب سيدها ..الذي أطلق علي الصبي اسم "جورج", وصمتت كيزي أنها تجعل حفيدا لرجل أفريقي مهما كانت وضاعة منبته ومهما كانت كان لونه فاتحا ومهما كان الاسم الذي سيطلق عليه .

وعندما بلغ جورج سن الثالثة بدأت كيزي تحكي لابنها عن جده الأفريقي "أنه طويل وبشرته سوداء كالليل ويميل الى الوقار الشديد, لقد جاء علي سفينه قادمة من أفريقيا إلى مكان يسمي نابلس , وبيع إلى السيد جون وولر لكنه حاول الهرب مرات , وفي المحاولة الأخيرة قبضوا عليه وقطعوا جزءا من قدمه" .."يا بني ..أنني أمتني لو كنت استمعت له وهو يغني لي تلك الأغنيات الأفريقية أثناء ركوبنا عربة السيد , وكان يحلو له أن يسمي الأشياء بأسمائها الأفريقية مثلا "الكمان" كو ko أو يسمي النهر كامبي بولونجو". وقد أصبح هذا تقليدا في ذرية كونتا كنتي يقوم الأب أو الأم بتلقين الأطفال كل شئ عن تاريخ جدهم الأفريقي.

وأخيرا الحرية

في 1861 اندلعت الحرب الأمريكية بين الولايات الشمالية والولايات الجنوبية التي تمسكت بالحق في استعباد الأفارقة, أسست هذه الولايات ما سمي الولايات الكونفدرالية الأمريكية وأعلنت انفصالها عن باقي الولايات الشمالية, كانت أيام عصيبة علي ذرية كونتا وهي تتابع تطورت الحرب التي ستحدد مستقبلهم.

وفي 1862 أصدر لنكولن إعلان تحرير العبيد جاعلاً من تحرير العبيد في الجنوب هدفاً للحرب, وسري الخبر كالوميض بين ملايين الزنوج في الجنوب. وأخيرا في ابريل 1865 استسلم الجنوب وخرج الزنوج يقفزون هنا وهناك ويرقصون ويصيحون ويغنون صلاة الشكر لله "أحرار ..لقد أصبحنا أحرار يا ألهي".

شكرا لك يا سيد أبراهام لينكولن.

حجر رشيد والجذور

كيف جاءت فكرة كتابة الجذور؟ في عام 1962 أجري ألكس حوارا مع مالكوم أكس ونشر كتابا عنه بعنوان "ترجمة حياة مالكوم اكس" ..وبعد استشهاد مالكوم أكس سافر الكس إلى لندن وزار المتحف البريطاني , ووجد الكس نفسه ينظر مبهورا غلى حجر رشيد ..لقد عكف عليه العالم الفرنسي شامبليون قرابه عشرين عاما لحل لغز الحضارة المصرية ..يقول ألكس " وأعجبت بذلك المفتاح ..وبدأت احس ان له دلالة شخصية بالنسبة لي.. وأثناء عودتي بالطائرة إلى أمريكا هبطت عليه الفكرة فجأة: أن العالم الفرنسي تمكن من فك طلاسم لغة مجهولة وذلك بمعادلتها مع لغة معروفة".

استخدم الكس أسلوب مشابه بعض الشئ ..فالتاريخ غير المكتوب والذي سمعه من جدته واقاربه كان متضمنا تلك الكلمات أو الأصوات الغريبة غير المعروفة له : فقد قال جدي الأكبر أن اسمه كين تاي kin tay , وكان يطلق علي نهر بفرجينيا اسم "كامبي بولونجى" وقد تكون هذه الأصوات قد تعرضت لبعض التحريف بسبب تناقلها عبر الأجيال.

وبدأت رحلة البحث

بذل الكس جهدا كبيرا علي مدار 12 سنه للوصول إلى جذور عائلته وجده الأفريقي ..اتصل الكس بدكتور متخصص في الشئون الأفريقية, وأكد له أن الأصوات التي رواها جده تعتبر من لغة "ماندينكا" mandinka وأن كلمة كو ko هي آله موسيقية أفريقية وكلمة كامبي بولونجى تعني نهر جامبيا.

سافر الكس إلى دكار عاصمة السنغال وتقابل مع عدد من الرجال المسلمين المشهود لهم بسعة الاطلاع في تاريخ دولتهم , وأكدوا له أن كلمة كامبي بولونجو تهني نهر جامبيا , وان كلمة كين تاي kin – tay قد تكون تحريف للقب عشيرة كنتا الشهيرة في جامبيا, وبالتالي فعلى "الكس" أن يقابل أحد "الشعراء المؤرخون" وهم رجال طاعني في السن ويعدون بمثابة أرشيف حي متنقل للتاريخ غير المكتوب..يستطيع الواحد منهم أن يقص حكايات وتواريخ القري والقبائل والعائلات والعشائر والأحداث التي حدثت من قرون عديدة مضت بكل دقة علي مدي ثلاثة أيام متواصلة دون أي تكرار لما يقولونه.

وبالفعل عثر الرجال علي شاعر مؤرخ في قرية "جوفيور" وسافر الكس دون أن يعرف أنه يسافر إلى قرية جده الأفريقي.. قام الشاعر المؤرخ بعرض تلخيص جوهري لتاريخ عشيرة "كنتا" التي بدأت في "مالي القديمة"... وذات يوم هاجرت أحدي فروع العشيرة إلى دولة "موريتانيا" ثم قام أحد أبناء هذه العشيرة ويسمي "كيرابا كونتا كينتا" وهو رجل "مرابط" – من المرابطين أتباع الشيخ عبد الله بن ياسين – برحلة طويلة إلى أن وصل إلى الدولة التي تسمي جامبيا.. واستمر الشاعر يسرد باقي تاريخ آل كنتا إلى أن قال " وتزوج "عمر" من "بينتا كنت" وأنجبت له من عام 1750 إلى 1760 : كونتا – لامين – سوادو – مادي.

وفي حوالي الوقت الذي جاء فيه جنود الملك ذهب كونتا إلى مكان بعيد عن قريته لكي يقطع بعض الأشجار ولم يشاهده أحد بعد ذلك إلى الأبد..."

أصيب الكس بذهول شديد , فالشاعر قد أعاد علي سمعه ما سبق أن سمعه من نساء عائلته في ولاية تنيسي .. وحينما أخبر الشاعر أن كونتا هو جده الأفريقي الذي يبحث عنه فرحت جميع قرية "جوفيور", وذهب اليكس مع الرجال إلى المسجد الذي أدوا فيه الصلاة باللغة العربية, وكانوا يقولون " نحمد الله ونشكر فضله . فقد أعاد إلينا واحدا منا كنا فقدناه منذ أمد بعيد".

وفي 29 سبتمبر 1967 وقف الكس هايلي علي رصيف ميناء أنوبوليس في نفس اليوم الذي رست فيه السفينة التى جلبت جده من أفريقيا, وأصبح "كونتا كنتي" أحد رموز الثورة علي العبودية, وسار علي طريقه من بعده مالكوم أكس ومارتن لوثر كينج, وفي يناير 2009 دخل باراك أوباما البيت الأبيض كأول رئيس أمريكي اسود..لقد انتصر كونتا كنتي علي جلاديه.

ونختم عرضنا هذا بتوجيه تحية إلى أثنين, ألحا علي كثيرا أتناء قيامي بهذا العمل, الأول محرر العبيد الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن , والثاني الفاروق عمر, وأتذكر كلمته لوالي مصر عمرو بن العاص يعنفه لأن ابنه اعتدي علي قبطي " يا بن العاص ..متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا".

السبت، 17 يناير 2009

غزة تحترق والعرب يتشاتمون

أعود إلى بيتي كل يوم مسرعا, أول ما افعله أن افتح القنوات الإخبارية لأتابع أخر ما يجري في فلسطين , بعد نص ساعة علي الأكثر يصاب ضغطي بالارتفاع , المناظر التي تبثها الفضائيات تحتاج إلى قلوب جليدية لكي يستمر في مشاهدتها, الإحساس بالعجز يقتلني , بشر يقتلون لا لسبب إلا أنهم فلسطينيون, أذنبي أني فلسطيني لكي أقتل بدم بارد؟ , مشاهد القتلى من الأطفال تعصر الألم في القلوب , انظر إلى طفلي , ربما واجهنا أنا أو هو نفس المصير اذا كنا من أهالي غزة المحاصرة, ولا ذنب لنا.

ولأن الموقف عصيب, أعود إلى ربي استمد من القوة والأمل في النصر, أتذكر حينما احتفلت إسرائيل بعيد قيامها الستين أن قال أحد خبراءها أن العرب منذ تأسيس إسرائيل وهم يتواعدنوها بالهزيمة والانتهاء لكن, وهذا كلام الصهيوني, استمرت إسرائيل 60 عاما ومن المرجح أن تستمر 60 عاما أخري...علقت كلماته في ذاكرتي ..نعم مهما طال بكم المقام في أرضنا فلن تخلدوا فيها ..سيأتي يوما ونري أرضنا قد عادت إلينا , فالحق قادم, والله هو الحق, ولن يدوم باطل مهما استطال الزمان, وهكذا قال التاريخ الذي شهد امبرطوريات تقوم ودول كبري تسقط , أين الإمبراطورية الرومانية التي احتلت كل العالم القديم زمانها ؛ تفككت أولا إلى شطرين غربي وشرقي , وكان الغربي أقرب إلى الفناء في 425 م , تقلصت الإمبراطورية الشرقية علي يد الفاتحين المسلمين.

نعم يا إسرائيل النهاية قادمة , لكن ما يحدث في عزة الآن شئ لا يصدقه عقل, فالقوات الإسرائيلية تتعامل مع أهالي غزة كما لو كانوا مجرد "فراخ" أصيبت بمرض أنفلونزا الطيور وعالجها في حرقها بطائرات الأف 16 والأباتشي.. العالم , وأقصد هنا علي الأخص عالمنا العربي والإسلامي , تعامل مع الفلسطينيين وكأنهم مجرد بقايا للهنود الحمر أو بدائيي استراليا وأن أفضل حل لمشكلتهم هو القضاء عليهم ..يا لها من مهزلة.

لقد بلغ الأمر حد الهزل...إسرائيل تضرب في مواطنينا وتتعامل بكل ثقة, ثقة تقتلنا ونحن أحياء في بيوتنا نتابع عبر الشاشات الضرب المستمر ليل نهار, ثقة لم نعاهدها فيها من قبل إلا بعد هزيمتنا في يونيو 1967... من أين لكي يا إسرائيل بكل هذه الثقة ؟ ..لا أنتظر منك الإجابة فأنا وغيري نعلمها مسبقا ..فقد جاءت هذه الحرب لتكشف لنا عن تفرقنا ..حينما كان يحدث عدوان إسرائيلي, كالمعتاد, علي فلسطين أو لبنان تسارع الحكومات العربية بعمل ادنات وشجب وتخرج مظاهرات , وكنا نسخر من كلمة ندين ونشجب ..اليوم لم نسمع هذه الكلمة نقولها بلسان واحد , حتى ولو من وراء قلب, لكن سمعنا ما لم يخطر علي خيالنا في مثل هذه المواقف ..حماس تتهم مصر بأنها تقف بعيدة عن أرض المعركة ولا تبدي استعدادا لفتح المعبر.. مصر ترد علي حماس بأنها هي التي جرت الشعب الفلسطيني إلى هذه المعركة, حسن نصر الله زعيم حزب الله يطل علينا مطالبا الجيش والشعب المصري بالانقلاب علي الحكومة والتوجه لفتح المعبر, بعض الدول العربية تزايد علي مصر وتتهمها بأنها تمنعها من مساعدة الفلسطينيين, وكاتب كويتي يصف قادة حماس بأنهم بغال ..لا أريد أن أسرد ما كلنا نعرفه..أبعد كل هذا ننتظر من قادة إسرائيل إلا يتعاملوا مع أرض غزة وكأنها كلأ مباح.. كان الشئ المؤكد وسط كل هذا أن هناك أطفال يقتلون في غزة ..مشاهد الدمار فاقت القدرة علي التصور ...هل عادت الحرب العالمية الثانية مرة أخري..يا لها من مهزلة سيسجلها علينا التاريخ ..غزة ما زالت تحترق ونحن نتراشق بالاتهامات ونترك إسرائيل تفعل ما تشاء ..عارا علينا.

جذبني الحديث إلى هذه المنطقة لكن لم يكن بد إلا أن أفرغ ما بداخلي حتى لا أموت غيظنا من موقف الضمير العربي من غزة.. وكما قلت أعود إلى ربي في كل ما يضيق علي حله ,,استرجع أحداث التاريخ الذي هو سيرة الحياة ..فقررت أن أتحدث عن إسرائيل حتي نفهمها فإلى الآن هناك حقائق كثيرة ما زالت غائبة عنا ..مثلا : كم منا يعلم أن إسرائيل تزعم أن حقها في فلسطين مثبت في التوراة ..وعد من الله لشعب الله المختار ..أذا كنت ممن يعلم بهذا فهل تعلم أن هذا الزعم قد أسقطه كاتب مثل جمال حمدان الذي أثبت أن يهود فلسطين الآن ليسوا من بني إسرائيل.


ببساطة أسقط حمدان أكبر حجة يستخدمها الصهاينة لإثبات حقهم في فلسطين, وقد دفع جمال حمدان حياته ثمنا لهذا الكشف فقد قتل في شقته بمصر قبل أن يخرج إلى الوجود كتابه عن الأصل الأنثربيولوجي لليهود.

فلسطين في القلب


غزة ..

الكلمات لا تعبر عما بداخلنا

يكفي ما بنا من غضب علي ما يحدث

الله هو الحق

ولابد للحق أن يسود

إلي حماس:

تحية من القلب لكل مقاتل شجاع

الأحد، 9 نوفمبر 2008

الأندلس..الفردوس المفقود

الأندلس..فردوسنا المفقود

يكفي أن يتوار د إلينا أسم الأندلس لتثار في أذهاننا صور شتي.

الأندلس ..يثير في خيالنا صور حدائق غناء ..تكثر فيها الطيور..وملك يسامر وزيره ..وأمير يسير مع حسناء..أنهار تجري بالخيرات.
باختصار الأندلس قطعة من الجنة

حينما يزكر أسم الأندلس نبكي علي ملك فقدناه ..بعضنا يحفظ قول أم عبد الله أخر ملوك الأندلس حينما خر ج منها لأخر مرة , وجاءت منه التفاته إلي ملكه السابق فخرجت من عينيه دمعه علي أرضه "زفرة العربي كما يسميها الأسبان" قالت له أمه :

أبك مثل النساء ملكا مضاعا .........لم تحافظ عليه مثل الرجالا

وبكي, ولكي لا أطيل أقول باختصار :

هناك صور نمطية عن الأندلس, فالحقائق الجغرافية والتاريخية تقول أن المسلمين استقروا في جنوبي أسبانيا وهي منطقة قليلة الأمطار , وأرضها شحيحة في المعادن في حين أن الشمال الذي سيطر عليه نصاري أسبانيا غني في أمطاره ومعادنه لكن كان الجنوب منارة للعلم والحضارة , ومنه تعلمت أوربا علومها الحديثة وعبرت علي جسره من ظلمات عصورها الوسطي إلي مشارف الحضارة الحديثة .

الحق اقول أن المسلمين بدأبهم استطاعوا أن يستغلوا الأراضي التي ملكوها أفضل استغلال , زرعوا الأراضي بأنواع الفواكه المختلفة , حتي مساجدهم زرعوا فيها أشحار البرتقال وهي ظاهرة لا توجد في بلاد العالم الإسلامي إلا في اسبانيا, برع المسلمين في الزراعة ونقل المياه إلي الأماكن التي لا تصلها ..ومن منا يعلم أن المسلمين زرعوا جبال قرطبة!!!

لقد كانوا قوما عرفوا كيف يقيموا لأنفسهم ملكا يحظي باعجاب الجميع ...بالعلم والعمل وصولوا إلي ما وصلوا إليه... وأنا لست مؤرخا, كما لا أجد داعيا لكي أسرد مظاهر تقدم حضارة المسلمين في الأندلس ..كل ما أريد ان أقوله أنهم حققوا ما حققوه بالعلم والعمل وحولوا أرضا فقيرة إلي جنة.

واذا كنا نبكي الأن علي الأندلس المفقود فليس هذا بوقت بكاء , فالأندلس ضاعت أرضه لكن لم يضع تاريخه , وعلينا أن نتعلم الدرس ..بلادنا يمكن أن نصيرها أندلس اذا عملنا بالعلم والأيمان ..بلادنا كقطعة ذهب تحتاج منا أن نجلو عنها صدأ الزمان.

الجمعة، 7 نوفمبر 2008

شاعر الحب الجمال


أقرب شعر إلي قلبي ترانيم الشاعر المبدع إيليا أبو ماضي , رائد مدرسة المهجر

من اراد الحب فعليه بإيليا

من ضاقت عليه دنياه وأبتغي أن يري الجمال فعليه بإيليا

من عشقت عيناه الطبيعة فليتوجه إلي أيليا


وجدت أثناء تصفحي لمدونة العزيزة شيرين صبحي الزميلة بموقع محيط رابط لموضوع رائع عن شاعري فقمت بنقله هنا لكي يستفيد منه من أراد


إيليا أبوماضي الكون يرتل آيات الجمال لمن ينتبه


كـن بـلـسماً إن صار دهرك أرقما وحـلاوة إن صـار غـيـرك عـلـقما


إن الـحـيـاة حـبـتـك كـلَّ كـنـوزهـا لا تـبخلنَّ على الحياة ببعض ما


أحـسـنْ وإن لـم تـجـزَ حـتى بالثنا أيَّ الجزاء الغيثُ يبغي إن همى؟


مَــنْ ذا يــكـافـئُ زهـرةً فـواحـةً ؟ أو مـن يـثـيـبُ الـبـلـبل المترنما ؟


يـاصـاحِ خُـذ عـلـم الـمـحبة عنهما إنـي وجـدتُ الـحـبَّ عـلـمـا قـيـمـا

في قرية المحيدثة بلبنان ولد الشاعر إيليا أبو ماضي عام 1889م ، وتلقي معارفه الأولي في مدرسة المحيدثة في جرار الكنيسة.

محيط - شيرين صبحي

وفي سن الحادية عشرة توجه أبو ماضي إلى الإسكندرية عام 1902م مثل العديد من اللبنانيين وكان له هناك عَمًّا يتعاطى بيع التبغ في دكان له فأشتغل معه لقاء أجر زهيد كان يوفر منه لشراء الكتب. ظل يعمل بالتجارة وكان في أوقات فراغه ينظم الشعر وينشره بالصحف حتى أكتملت لديه مجموعة من القصائد جمعها في ديوان أصدره عام 1911م بعنوان "تذكار الماضي" ، وصدر ديوانه باهداء الي الأمة المصرية جاء فيه "أيتها الأمة الودود ، هذا ديواني الذي نظمته تحت سمائك وبين مغانيك ، أرفعه إليك لا طلبا للمثوبة ولا ابتغاء للشكر ولكن إظهارا لما تكنه جوانحي من العطف عليك... " ومنه يقول:
وما مصر التي ملكت فؤاديولكن أهلها قوم كرامودادهم علي الأيام باقوجارهم عزيز لا يضامومن أخلاقهم لين الحمياإذا انتسبت إلي اللين المدام
واتجه أبو ماضي إلى الموضوعات السياسية والوطنية لخدمة القضايا العربية والمناداة باستقلال مصر عن الاحتلال الإنجليزي وتحرير الأقطار العربية ، والتي كان الحزب الوطني المصري بقيادة مصطفى كامل ينادي بها .


نقم الانجليز من ثورة أبو ماضي خصوصا بعدما ألقى قصيدتين ناريّتين في مناسبتين وطنيتين إحداهما عودة محمد فريد رئيس الحزب الوطني إلى مصر قادما من أوروبا ، والثانية أثناء حفلة تذكارية لمصطفى كامل ، ولذلك تم ايداعه في السجن لمدة أسبوع .


وفي عام 1911 تلقي رسالة من أخيه مراد يطلب منه الهجرة فهاجر هاجر إلى أمريكا وأقام بمدينة سنسناتي واحترف التجارة، وانتقل في عام 1916م إلى نيويورك وانضم إلى نخبة الأدباء المهجريين الذين أسسوا الرابطة القلمية وفيها طبع ديوانه الثاني .اتجه إلى الصحافة فعمل في جريدة مرآة الغرب ثم أصدر جريدة "السمير" أسبوعية ثم حولها إلي جريدة يومية عام 1929م في بروكلن.وتمكن الشاعر من الاتصال بالجالية اللبنانية وكافة الجاليات العربية في نيويورك بحكم مهنته الصحفية ، فعبّر عن تطلعاتها التحررية أثناء الحرب العالمية الأولى من ربقة السلطنة العثمانية. كما شارك جُبران خليل جُبران وأمين الريحاني في لجنة " إغاثة لبنان " .


وتعرف في هذه المدينة إلى نخبة من أدباء المهجر أمثال : جُبران خليل جُبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني ونسيب
من اعماله
عريضة وندرة الحداد وعبد المسيح حداد وسواهم من رجال الفكر .أصدر ديوانه الثالث عام 1925م وأخيرا ديوانه" الخمائل" عام 1940م وقد نظم بعد ذلك شعر كثير نشرها في الصحف والمجلات في الوطن وفي المهجر.


أبو ماضي وجمال النفس


اشتهر ايليا أبو ماضي بالتفاؤل وحب الحياة والإيمان بجمالها، ودعا الناس إلى الأمل، كما دعا إلى المساواة بين الغني والفقير


أيهـذا الشاكـي ومـا بــك داءٌ **** كيف تغـدوا اذا غـدوت عليـلا


ان شـر النفـوس نفـس يـؤوس **** يتمنـى قبـل الرحيـل الرحيـلا


ويرى الشوك في الورود ويعمـى **** ان يـرى فوقهـا النـدى اكليـلا


هو عـبء علـى الحيـاة ثقيـل **** من يرى في الحيـاة عبئـا ثقيـلا


والـذي نفسـه بغـيـر جـمـال **** لايرى في الوجود شيئـا جميـلا



وقالت عنه فدوى طوقان: "إنني أرفع أبو ماضي إلى القمة ولا أفضّل عليه شاعراً عربياً آخر لا في القديم ولا في الحديث. فالشعر العربي لم يعرف له من نظير".


وتؤكد انوار رمضان بجريدة "البيان" " في المهجر تطورت أفكار إيليا أبو ماضي وحلقت تأملاته في آفاق بلا حدود وتخلصت لغته من جمود التعابير والأساليب القديمة لتكتسب روحا جديدة اكثر بساطة ويسرا واعمق صدقا في القلب والعقل.


وقد مر أبو ماضي بالعديد من التجارب العاطفية القاسية إلا أن تجربة واحدة ألقت بظلالها الثقيلة عليه ونظم بسببها عدة قصائد هي: "الداليّة" "الغابة المفقودة" و"في سوى يده" ومنها يقول:يا لهفة النفس على غابة كنت وهنداً نلتقي فيهاأنا كما شاء الهوى والصبا وهي كما شاءت أمانيهانباغت الأزهار عند الضحى متكآت في نواحيهالله في الغابة أيامنا ما عابها إلا تلاشيهاطوراً علينا ظل أدواحها وتارة عطف دواليهاوتارة نلهو بأعنابها وتارة نحصي أقاحيهاوإن تضاحكنا سمعنا الصدى يضحك معنا في أقاصيه


فتحي سليم يرد على أبو ماضي


أنشد أبو ماضي قصيدته بعنوان "الطلاسم" والتي اشتهرت بلست أدري بعد ان غني بعض ابياتها الموسيقار محمد عبد الوهاب معبرا بها عن بعض أفكاره الفلسفية التي راودته وترسخت بداخله فترة بعد أخري وجاء فيها:


جئتُ لا أعلم من أين ولكني أتيتُ
ولقد أبصرت قُدّامي طريقا فمشيتُ
وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيتُ
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست ادري
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجودْ
هل أنا حرٌ طليقٌ أم أسيرٌ في قيودْ
هل أنا قائدُ نفسي في حياتي أم مقود
أتمنّى أنني ادري ولكن
لست أدري!
وطريقي ما طريقي أطويلٌ أم قصير
وهل أنا أصعد أم أهبط فيه أم أغور
أأنا السائر في الدرب أم الدرب يسير
أم كلانا واقفٌ والدهر يجري
لستُ أدري!
أتراني قبلما أصبحتُ إنسانا سويا
أتراني كنت محواً أم تراني كنت شيئا
ألهذا اللغز حل أم سيبقى أبديا
لست أدري، ولماذا لست أدري؟
لست أدري!
قد سألت البحر يوما هل أنا يا بحر مِنكا
هل صحيح مارواه بعضهم عنِّي وعنكا
أم ترى مازعموا زورا وبهتانا وإفكا
ضحِكَتْ أمواجُه مني وقالت
لست أدري!
أيها البحر أتدري كم مضت ألفٌ عليكا
وهل الشاطئ يدري أنه جاث لديكا
وهل الأنهارُ تدري أنها منك إليكا
ما الذي الأمواج قالت حين ثارت
لست أدري!


وقد رد علي هذه القصيدة الشاعر فتحي سليم بقصيدة جاء فيها:


إنني أدري وأدري بيقينْ
أنني سُوِّيتُ من ماءٍ وطينْ
مضغةٌ من نطفةٍ ، ماءٌ مهينْ
خُلِّقَتْ في الرحْمِ في كِنٍّ مَكينْ
نبأُ الحقِّ وقرآنٌ مُبينْ
عن رسولٍ صادقِ الوعدِ أمينْ
إنّهُ تنزيلُ ربِّ العالمينْ
حِكمةٌ بالغةٌ ، لوْ كنتَ تدري؟
لست تدري
تَسألُ البحرَ وترجو أنْ يُجيبْ
وتُناجيهِ مُناجاةَ الحبيبْ
أبعيدٌ مَنْ تًناجِي أمْ قَريبْ؟


وفي صباح الثالث والعشرين من نوفمبر 1957 رحل في بيته بنيويورك وعقب رحيله بادر محبوه في بيروت بجمع قصائده في ديوان بعنوان "تبر وتراب"


ومن روائع أبو ماضي نقرأ قصيدة "المساء":


السحــــــب تركض في الفضاء الرحب ركض الخائفين والشمــس تـــبــــدو خلفها صفراء عاصبة الجبين


والبحــر ساجٍ صامـــــتٌ فيه خشوع الزاهدين لكنما عـــــــــيناك باهتتان في الأفــــــــق البعـــــــــــــيد


سلمى ...بماذا تفكرين؟ سلمى ...بماذا تحلميـــــــن؟


أرأيت أحلام الطفــــــــــــــــــــولة تختفي خلف التخوم؟


أم أبصرتْ عيناك أشــــــــــــــــباح الكهولة في الغيوم؟


أم خفتْ أن يأتي الدُّجى الجـــــــــــاني ولا تأتي النجوم؟


أنا لا أرى ما تلمـــــــــحـــــــــــــــــــــين من المــشــــاهد


إنما أظلالـــــها في ناظريك تنم ، ياســـلمى ، عليك


إني أراك كســــــــــــــــــائحٍ في القفر ضل عن الطريق


يرجو صديقاً في الفـــــــــــلاة ، وأين في القفر الصديق


يهوى البروق وضــــــــوءها ، ويـــــــــــــخاف تخدعهُ البروق


بــــلْ أنت أعظم حـــــــــــــــــيرة من فــــــارسٍ تحت القتام


لا يستطيع الانتــــصار ولا يطيق الانــــــكسار