الجمعة، 18 ديسمبر 2009

الهجرة النبوية دروس وعبر



إن نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر هو أخطر كسب حصل عليه منذ بدأت الدعوة له. وقد تنادي المسلمون في كل مكان : هلموا إلي يثرب!! . فلم تكن الهجرة تخلصا فقط من الفتنة والاستهزاء , بل كانت تعاونا عاما على إقامة مجتمع جديد في بلد آمن. وأصبح فرضا على كل مسلم قادر أن يسهم في بناء هذا الوطن الجديد , وأن يبذل جهده في تحصينه ورفع شأنه , وأصبح ترك المدينة بعد الهجرة إليها نكوصا عن تكاليف الحق وعن نصر الله ورسوله , فالحياة بها دين , لأن الدين يعتمد على إعزازها.

بهذه الكلمات بدأ الشيخ محمد الغزالي حديثه عن الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرومة إلي يثرب "طيبة الإسلام" في كتابه القيم "فقه السيرة" والذي كتبه خلال جلسات روحانية بمدينة رسول الله وفي مسجده النبوي.

وبعد دعوة استمرت بمكة ثلاثة عشرة عاما عاني فيها الرسول والصحابة ما عانوه على أيدي أبو جهل وأبو لهب وأميه بن خلف وأشباههم من المكابرين, أذن الله لنبيه بالهجرة والتي أضحت بحق أعظم حركة قام بها فرد وكان لها أكبر الأثر في تغيير مجري حياة العالم الذي بدأ يتشكل من جديد متأثرا بالنور الذي انبثق من طيبة.

يصف الشيخ الغزالي رحمه الله الهجرة فيقول أنها لم تكن مجرد ارتحال طالب قوت من أرض مجدبة إلي أرض مخصبة. بل كانت إكراه رجل آمنٍ في حياته مستقر في وطنه مكة على إهدار مصالحه، والتضحية بأمواله وإشعاره بأنه مستباح منهوب، قد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها. وبأنه يسير نحو مستقبل غامض. لا يدري ما يتمخض عنه من مشاق وأحزان.

كان صحابة رسول الله يغادروا مكة وكل فرد منهم يحمل أهله وولده وهو بذلك رضيَّ الضمير، وضّاء الوجه. كيف؟
إنه الإيمان الذي يزن الجبال ولا يطيش! وإيمان بمن؟ بالله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، وله الحمد في الأولى والآخرة

كانت صعاب الهجرة لا يطيقها إلا مؤمن، أما الهيّاب الخوار القلق، فما يستطيع شيئاً من ذلك. أما الرجال الذين التقوا بمحمد صلَّى الله عليه وسلم في مكة، وقبسوا منه أنوار الهدى فإنهم نفروا خفافاً ساعة قيل لهم: هاجروا مع رسولكم إلى حيث تعزون الإسلام وتؤمنون مستقبله.
كان كل فرد منهم على استعداد – وبدون تردد - للتخلي عن كل ما يملك لكفار مكة. فقط يريد الرحيل مع الرسول. وضرب الصحابة أمثلة صارت كأنها أساطير. فعندما هم صهيب الرومي بالهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكاً حقيراً، فكثر مالك عندنا.. ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك.

قال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلُّون سبيلي؟

قالوا: نعم.

قال: فإني قد جعلت لكم مالي.

فبلغ ذلك رسول الله صلَّى الله عليه وسلم فقال: ربح صهيب!

وهكذا أخذ المهاجرون يتركون مكة جماعات ووحداناً، حتى كادت مكة تخلو من المسلمين. وشعرت قريش بأن الإسلام أضحي له حصن يحتمي به، وتوجست خيفة من عواقب هذه المرحلة الخطيرة في دعوة محمد، وهاجت في دمائها غرائز السبع المفترس حين يخاف على حياته.
إن محمداً لا يزال في مكة، فلتعجل به قبل أن يستدير إليها..

قريش في دار الندوة

اجتمع طواغيت مكة واتخذوا قرارهم بقتل محمد وتفريق دمه بين القبائل. وأخبر الوحي محمدا (صلي الله عليه وسلم) بما دبرته قريش وألقى في قلبه هذا الدعاء الجميل: "وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا".

لم يكن تأييد الوحي للرسول يعني له التفريط والاستكانة. ومن ثَمَّ فإنه صلَّى الله عليه وسلم أحكم خطة هجرته، وأعدَّ لكل فرض عدته، ولم يدع في حسبانه مكاناً للحظوظ العمياء. لنأخذ من ذلك درسا في أسباب النجاح. فشأن المؤمن مع الأسباب المعتادة، أن يقوم بها كأنها كل شيء في النجاح، ثم يتوكل بعد ذلك على الله.
فإذا صب المرء كل جهوده في أداء واجبه فأخفق بعد ذلك، فإن الله لا يلومه على هزيمة يبتلي بها. وقلّما يحدث ذلك إلا عن قَدَر قاهر يعذر المرء فيه!!

وكثيراً ما يرتب الإنسان مقدمات النصر ترتيباً حسناً، ثم يجيء عون أعلى يجعل هذا النصر مضاعف الثمار.
كالسفينة التي يشق عباب الماء بها ربّان ماهر، فإذا التيار يساعدها والريح تهب إلى وجهتها، فلا تمكث غير بعيد حتى تنتهي إلى غايتها في أقصر من وقتها المقرر.
وهجرة رسول الله من مكة إلى المدينة جرت على هذا الغرار، فقد استبقى معه علياً وأبا بكر ، وأذن لسائر المؤمنين بتقدمه إلى المدينة .

درس في سياسة الأمور

كان صلي الله عليه وسلم حريصا على كتم أسرار مسيره، فلم يطلع عليها إلا من لهم صلة ماسة، ولم يتوسع في إطلاعهم إلا بقدر العمل المنوط بهم.

وقد استأجر دليلاً خبيراً بطريق الصحراء يتغلب به على المطاردين. ونظر في هذا الاختيار إلى الكفاية وحدها. فقد كان دليله مشركاً ولم يمنعه هذا من استخدامه والانتفاع بموهبته.

واتفق الرسول عليه الصلاة والسلام مع أبي بكر على تفاصيل الخروج، وتخيروا الغار الذي يأوون إليه، تخيروه جنوباً في اتجاه اليمن لتضليل المطاردين، وحددوا الأشخاص الذين يتصلون بهم في أثناء وجودهم بالغار، ومهمة كل شخص.
ثم عاد الرسول إلى بيته، ليجد قريشا بدأت تضرب الحصار حوله وتبدأ في تنفيذ خطتهم الإبليسية في تفريق دم النبي بين القبائل.

وضرب على بن أبي طالب مثالا للشباب في الإيمان والشجاعة. فبات تلك الليلة الرهيبة وهو على سرير رسول الله يرتدي برده الذي ينام فيه.

وجاء موعد الهجرة.. وفي هجعة الليل وغفلة من الحرس، خرج الرسول عليه الصلاة والسلام من بيته إلى دار أبي بكر، ومنه إلي غار ثور.. الغار الذي استودعته العناية مصير الرسالة الخاتمة، ومستقبل حضارة كاملة، وتركته في حراسة الصمت والوحشة والانقطاع.

ما ظنك باثنين الله ثالثهما !!

أصيبت قريش بالصدمة بعدما أفلت رسول الله من بين أيديهم. كانوا قريش تدرك مقدار ما تمثله تلك الرحلة في مسيرة حياة مكة بل ومصير الجزيرة العربية. لذلك انطلق مشركو مكة في آثار المهاجرين يرصدون الطرق, يفتشون كل مهرب, ينقِّبون الجبال وكهوفها، حتى وصلوا قريباً من غار ثور.

أنصت الرسول وصاحبه إلى أقدام المطاردين تخفق إلى جوارهم، فأخذ الروع أبا بكر، وهمس يحدث رسول الله: "لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا" فقال عليه الصلاة والسلام: "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما".

ويعلق الشيخ الغزالي رحمه الله على القول بأن قريش وجدت على باب غار ثور عنكبوت ناسجا لخيوطه وحمامه تضع بيضها بأن الجنود التي يخذل الله بها الباطل وينصر بها الحق ليست مقصورة على نوع معين من السلاح ولا صورة خاصة من الخوارق، إنها أعم من أن تكون مادية أو معنوية، وإذا كانت مادية فإن خطرها لا يتمثل في ضخامتها، فقد تفتك جرثومة لا تراها العين بجيش ذي لجب "وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ".


ومن صنع الله لنبيه أن تعمى عنه عيون أعداءه وهو منهم على مد الطرف، ولم يكن ذلك محاباة من القدر لقوم فرَّطوا في استكمال أسباب النجاة، بل هو مكافأة من القدر لقوم لم يدعوا وسيلة من وسائل الحذر إلا اتخذوها، وكم من خطة يضعها أصحابها فيبلغون بها نهاية الإتقان تمر بها فترات عصيبة لأمور فوق الإرادة أو وراء الحسبان، ثم تستقر أخيراً وفق مقتضيات الحكمة العليا وفي حدود قوله تعالى:
"وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ".

في الصحراء إلي المدينة

ثلاثة أيام قضاها الرسول عليه الصلاة والسلام في الغار، وبعدما خمد حماس المشركين في الطلب، وتأهب المهاجران لاستئناف رحلتهما الصعبة.

إن أسفار الصحراء توهي العمالقة الآمنين. فكيف بركب مهدر الدم مستباح الحق؟.
ما يحس هذه المتاعب إلا من صلي نارها.

يحكي الشيخ الغزالي أنه يوما ومعه رفاق خرجوا في وهج الظهيرة فكادت الأشعة البيضاء المنعكسة على الرمال تخطف أبصارهم, فأغمضوا عيونهم يستبقوا منها ما خافوا ضياعه.

والسير في الصحراء ليس بالشيء اليسير الهين. فعندما تصبح وتمسي وسط وهاد ونجاد لا تنتهي حتى تبدأ، تظن أن العالم كله صحراء مغبرة الأرجاء داكنة الأرض والسماء.


لم تكن تلك هي المرة الأولي التي يقطع فيها رسول الله ذلك الطريق. إذ مر به وهو طفل صغير ذاهب مع أمه لزيارة قبر أبيه عبدالله ثم عاد وحده بعدما فقد أمه!.
إنه الآن يعود ويقطع نفس الطريق وقد بلغ الثالثة والخمسين، لا لزيارة أبويه اللذين ماتا بالمدينة؛ بل لرعاية رسالته التي تشبثت بأرض يثرب جذورها، بعد ما تبرمت مكة بها وبصاحبها...
إنه أرسخ أهل الأرض يقيناً بأن الله ناصره ومظهر دينه، لكن حزين للفظاظة التي قوبل بها، وللجحود الذي لاحقه من بدء رسالته حتى اضطره إلى الهجرة على هذا النحو العنيف.

وشاع نبأ انطلاق رسول الله في جوانب الصحراء، وكأن أسلاك البرق طيرته إلى أقصى البقاع. وترامت أخبار المهاجر العظيم وصاحبه إلى المدينة، فكان أهلها يخرجون كل صباح يمدون أبصارهم إلى الأفق البعيد، ويتشوفون إلى مقدمه بلهفة. فإذا اشتد عليهم الحر عادوا إلى بيوتهم يتواعدون الغد، وملء جوانحهم الترقب، والقلق، والرجاء.

مرحبا مدينة رسول الله

وفي اليوم الثاني عشر من ربيع الأول لثلاث عشرة سنة من البعثة برز الأنصار على عادتهم في انتظار قدوم النور إلي مدينتهم. فلما حميت الظهيرة كادوا ييأسون من مجيئه وينقلبون إلى بيوتهم؛ حتى صعد رجل على مرتفع فرأي الرسول عليه الصلاة والسلام وصحبه يتقاذفهم السراب، وتدنو بهم الرواحل رويداً رويداً إلى المدينة إلى وطن الإسلام الجديد.

وأسرع الأنصار يستقبلون رسولهم، ورُج التكبير أنحاء المدينة، ولبست "يثرب" حلة العيد ومباهجه: هذا رسول الله قد جاء.

يا عجباً لنقائض الحياة واختلاف الناس! إن الذي شهرت مكة سلاحها لتقتله، ولم ترجع عنه إلا مقهورة؛ استقبلته المدينة وهي جَذْلانة طروب، وتنافس رجالها يعرضون عليه المنعة والعدة والعدد.

الاثنين، 23 نوفمبر 2009

يا حسارة على العباد

ما يحدث بين مصر والجزائر الآن أعتقد لو أن أعظم مؤلفي أفلام الخيال العلمي طلبوا منه أن يكتب فيلم يتسبب في اشعال نار الفتنة بين البلدين فلن ينجح مثلما نجحت وسائل إعلام هنا وهناك.

يا حسارة على العباد .. أبكي حزنا على ما أشاهده .. هل وصلنا إلي نهاية الدنيا لنري ما يحدث ..أكاد لا اصدق
أتمني ان تمر الأيام وأري هذه الأزمة قد انكشفت .. نحن مسلمون يا أخوان .. مسلمون .. رب واحد ودين واحد
عجيب أمرنا..أيام قليلة ويقف الحجيج على عرفات متساوون أمام رب العباد .. ورغم ذلك نري من يتطاول على مصر ويصفها بأنها صغيرة.. وأخرون يتهمون شعب عربي بأنه لا يعرف الاسلام ..

لا أستطيع أن اكمل الكتابة ..

... ويا حسارة على العباد

السبت، 24 أكتوبر 2009

نقاب أم حجاب

بعد أزمة شيخ الأزهر مع الفتاة التي ترتدي نقاب عاد إلي السطح مرة أخري الحديث عن النقاب والحجاب ..

أقول بصراحة .. تعجبت من الكثيرين الذين يدافعون عن النقاب باعتباره زي الإسلام للمرأة . وقال السيد أبو اسحاق الحويني أن النقاب عبادة وليس عادة , ووصف من ينتقد النقاب بأنه جاهل .

أولا نحن لا ننكر على من ترتدي النقاب إذا كانت تريد أن تحافظ علي نفسها , ولا يمكن أن نحارب النقاب ونترك العري الذي نعني منه ليل نهار

أما في مسألة النقاب هل هو عادة أم عبادة نقول للمدافعين عنه : الإسلام يأمر بكشف الوجه في الحج والصلوات فهل يحرض بذلك على الفاحشة ؟

الثلاثاء، 13 أكتوبر 2009

في كتابا كان سببا لوفاته

جمال حمدان في "اليهود انثربولوجيا": يهود فلسطين ليسوا من نسل بني إسرائيل

محيط – السيد حامد


تقوم الدعاية الصهيونية علي أكذوبتين أساسيين, الأولى أن اليهود تعرضوا طوال تاريخهم للاضطهاد , وبلغ هذا الاضطهاد مبلغه في ألمانيا النازية, ويستدر اليهود عطف العالم بهذه الأسطورة, والثانية تقول بأن اليهود يحق لهم تأسيس وطن قومي في فلسطين لأن يهود بني إسرائيل بعد أن خرجوا منها ظلوا بمنأى عن الاختلاط الدموي مع الشعوب التي انتشروا بينها, وعلي هذا فيهود اليوم هم النسل المباشر لبني إسرائيل التوراة, شعب الله المختار, الذي وهبه الله ارض الميعاد.


ولهدم أسس تلك الدعاية وتفنيدها علمياً أصدر المفكر والعالم الكبير جمال حمدان كتابه الشهير " اليهود أنثروبولوجيا " في فبراير عام 1967, وفيه أثبت أن 95 % من اليهود المعاصرين ليسوا هم أحفاد اليهود الذين خرجوا من فلسطين , كما أثبت كذلك ان الاضطهاد الذي تعرض له اليهود لم يكن بسبب التعصب الديني وإنما يرجع إلي طريقة حياة اليهود واستعلائهم علي غيرهم من الأمم ، ونستعرض فصولا من الكتاب الصادر عن دار " الهلال" والذي تسبب في اغتيال صاحبه .

وللعلم فإن الأنثروبولوجي هو علم دراسة البشر ، في كل مكان وطوال الوقت, وتتعلق أسئلته الأساسية بـ ما الذي يميز الإنسان من ناحية الصفات الجسدية, ولماذا هناك تباينات واختلافات بين المجموعات المختلفة من البشر.

رحلة في التاريخ القديم

يرتبط ذكر اليهود تاريخيا بقصة أبوالأنبياء سيدنا إبراهيم – عليه السلام - الذي عاش في القرن 18 قبل الميلاد في جنوب العراق , وهاجر مع قومه حتى وصلوا إلي حوران في فلسطين, وهناك يولد لإبراهيم سيدنا اسحق , ولاسحق سيولد سيدنا يعقوب ، عليهم السلام , ومن أبناء يعقوب الاثني عشر ستتأصل الأسباط في التاريخ والتوراة.

وحينما وصل اليهود فلسطين وجدوها مسكونة بالكنعانيين, فدخل الطرفان في حرب انتهت بسيطرة العبرانيين علي التلال والأراضي المنخفضة الفقيرة الداخلية في حين ظلت السهول الغنية في أيدي الكنعانيين الأصليين.

وبعد 150 عاما فقط من هجرة إبراهيم, يهاجر يعقوب وأولاده إلي مصر بسبب القحط الشهير, وفيها استقروا بأرض جاشان ( وادي الطميلات والشرقية) نحو 350 عاما إلي أن خرج بهم سيدنا موسى – عليه السلام - حوالي 1300 ق . م هربا من انتقام فرعون لتعاونهم في خيانة واضحة مع الهكسوس غزاة مصر.

خرج اليهود من مصر إلي سيناء, وعاقبهم الله بـ" التيه" في سيناء 40 عاما حتى قادهم يشوع إلي نهر الأردن حيث انتزعوا بعضا من أرض كنعان الداخلية. وفي عام 1000 ق . م يؤسس نبي الله داود عليه السلام مملكة إسرائيل ويتخذ من أورشليم, أي مدينة السلام, عاصمة له , لكن دولته انشطرت بعد خليفته سليمان إلي مملكتين, مملكة يهوذا في الجنوب ومملكة إسرائيل شمالا في السامرة , وأصبحت الدولتين متحاربتين حتى قضي سرجون الآشوري عام 721 ق م علي الدولة الشمالية وقضي نبوخذ نصر البابلي علي الدولة الجنوبية في 586 ق م .

اليهود في الشتات

تعرض اليهود لثلاث أو أربع مراحل من الشتات, بدأت الأولي مع سرجون الآشوري الذي نقل كثير من إسرائيلي السامرة إلي بابل, كما نقل نبوخذنصر أغلبية اليهود إلي بابل, وحينما سمح الفرس بعد نصف قرن لليهود بالعودة عادت قلة ضئيلة تقدر بنحو 50 ألفا , أما الأغلبية فبقيت في العراق وانتشرت في فارس وأفغانستان وبخاري وسمرقند, والقوقاز والهند والصين.


أما يهود الجزيرة العربية فيقول جمال حمدان أنه لا يوجد دليل يؤكد انتمائهم إلي يهود الشتات البابلي , والأرجح أنهم عرب تحولوا إلي اليهودية وليسوا من يهود فلسطين , وكذلك الحال ليهود اليمن فقد تحول عدد كبير من سكان البلاد إلي اليهودية.


والشتات الثاني هو الشتات الهلليني الذي بدأ مع فتوح الإسكندر واستمر مع السلوقيين والبطالسة ثم البيزنطيين ؛ حيث انتشر اليهود في كل أنحاء العالم الهللينستسي والبيزنطي , وفي الإسكندرية كانوا يشكلون ثلث سكان المدينة, وعدا مصر تركز اليهود في مركزان: البلقان و سواحل البحر الأسود, وأرسل يهود البلقان عناصر منهم إلي روسيا.


ولعب التتار دورا مهما في التاريخ اليهودي فقد تحولت دوله الخزر التترية إلى اليهودية في القرن السابع أو الثامن الميلادي وبهذا أصبح في المنطقة يهود أصليين ويهود متحولين من السكان المحليين.


الشتات الروماني هو الشتات الثالث ؛ فقد خرب الرومان أورشليم في مذبحة عام 70 م , وحينما عاد اليهود للثورة 135 م عاقبهم الرومان بمذبحة نهائية قضت وإلي الأبد علي علاقة اليهود بفلسطين كدولة وكقومية.

وقام الرومان بنفي من تبقي علي قيد الحياة من اليهود إلي سائر أنحاء الإمبراطورية, وكان عددهم 40 ألف فقط , وفي القرن الخامس الميلادي وصل العدد ما بين 4 و 7 ملايين , أي أنهم ضاعفوا أنفسهم بين 100 و 180 مرة , وهذه الزيادة قد تعني أن تزايدهم كان بالتحول والتبشير كما سنري.


نصل أخيرا إلي الشتات الحديث, وبدأ مع اكتشاف الأمريكتين وهجرة عدد كبير من اليهود إلي أمريكا حتى أصبحت تضم أكبر عدد من اليهود في العالم . ومع الاضطهاد النازي خرجت أعداد كبيرة أخري إلي الولايات المتحدة وتوجهت أعداد أخرى إلي فلسطين.

طوائف اليهود الثلاث

ينقسم اليهود في العصور الحديثة إلي ثلاثة طوائف أساسية, وهي الأشكناز والسفاردي واليهود الشرقيين.
الأشكناز والسفاردي كلمتان قديمتان في التوراة استعارتهما اليهودية في العصور الوسطي لتميز بين يهود ألمانيا ويهود أسبانيا علي الترتيب ، اعتقادا منهم بأن يهود ألمانيا ينحدرون من نسل قبيلة بينامين. والسفارديم يدعون أنهم "أرستقراطية" اليهود, لكن الأشكناز يؤلفون الأغلبية العددية والطبقة المتفوقة حضاريا إلي حد ما لدرجة أنهم يحتقرون السفارديم.


وينتشر الأشكناز اليوم في غرب ووسط وشرق أوروبا , بالإضافة إلي العالم الجديد , وجنوب أفريقيا واستراليا. في حين يمثل السفارديم يهود البلقان والشرق الأدنى , وبعض المستعمرات والجاليات المبعثرة علي شواطئ البحر المتوسط بالإضافة إلي امتدادهم في العالم الجديد.

أما اليهود الشرقيين فإنهم يمثلون مجموعة قائمة بذاتها استمدت أصولها القديمة من فلسطين, وهم إذا كانوا الأقرب إلي الأصول الفلسطينية فإنهم الأقل عددا ومرتبة بين اليهود, وينظر إليهم السفارديم والأشكناز نظرة احتقار وازدراء.

مجتمع الجيتو

في هذا الفصل يتحدث كتاب جمال حمدان أنه في كل الأماكن التي انتقل اليهود إليها فقد عاشوا في مكان خاص بهم وحدهم, وربما يعود سبب هذه العزلة إلي قوانين الدول التي عاش فيها اليهود احكاما للرقابة عليهم ومنع اختلاطهم بغيرهم , ولكن كثيرا ما ترجع هذه العزلة إلي صنع اليهود أنفسهم سعيا منهم إلي التركز والاحتشاد في نقطة واحدة ضمانا للحماية.


واليهودي مرتبط دائما بالمال والتجارة والسمسرة والربا أبدا, ويكره العمل اليدوي الشاق أو في الخلاء, يكره الجهد الجسماني عامة, ويفضل أن يعيش بعقله لا بعضله. من هنا يبتعد عن الزراعة والصناعة ويركز علي العيش في المدن حيث الأعمال الحرة والمعاملات التجارية والنشاطات المصرفية والمالية ...الخ. وهذا الأمر هو سبب كراهية الأمم لهم, ولعله – أكثر من التعصب الديني – المصدر الأول لاضطهادهم ومقتهم.

الأصل الجنسي لليهود

نصل الآن إلي أساس الدعاية الصهيونية, فبعد كل هذا الشتات الذي تعرض له اليهود تحاول آلة الدعاية أن تسخر الأنثروبولوجية لتثبت أن يهود بني إسرائيل بعد أن خرجوا من فلسطين حافظوا علي نقائهم الجنسي !.


يفند جمال حمدان تلك الأساطير بالأساليب العلمية, ويؤكد – بعد مقارنة يهود اليوم والمذكورين بالتوراة قديما متتبعا الصفات الجنسية من طول ولون بشرة وغير ذلك - أنه لا توجد وحدة جنسية بين اليهود ككل, ويستشهد بأقوال بعض العلماء اليهود أيضا مثل هوتون Hooton الذي يقرر بجزم قاطع "حقيقة هي لا شك فيها أن اليهود مختلطون جنسيا ومن وأصول طبيعية متنوعة".

والسؤال الآن : كيف تم اختلاط أو تخليط اليهود ؟ وما هي الأدلة والشواهد عليه؟ .. لقد كان هناك طريقان أساسيان لانتشار اليهودية وتمددها : التحول الديني سواء من الوثنية أو المسيحية , والتزواج والامتزاج الدموي ؛ فنجد أن اليهود المذكورين بالتوراة قد تخلطوا في عقر دارهم مع جيرانهم من الفلسطينيين .

وطوال تاريخ اليهود نلمح ظاهرتين : أعداد كبيرة من غير اليهود تدخل اليهودية , وفي نفس الوقت أعداد من اليهود لا تقل ضخامة تخرج من اليهودية ,وبالتالي فإن جسم طائفة اليهود ليس ثابتا جنسيا بل هو متحرك. ويقرر حمدان حقيقة خطيرة : اليهود جنسيا آريون أكثر منهم ساميين أو بتعبير آخر إنهم أوروبيون يهودوا أكثر منهم يهود تأوربوا .

ويؤكد حمدان بكتابه أيضا أننا لا يمكن علميا أن نستبعد من بعض يهود العالم نسبة ما من الأصل الفلسطيني القديم , لكن هؤلاء لا يزيدون علي نسبة بالغة الضآلة إلي أقصي حد. وقد توصلت دراسة لعالم بريطاني أن 95 % من اليهود ليسوا من بني إسرائيل التوراة وإنما هم أجانب متحولون أو مختلطون.

وترى الحركة الصهيونية – وفق الكتاب الذي بين أيدينا - أن روح الليبرالية المعاصرة وتطور الوعي في المجتمعات الصناعية والتسامح الديني كلها طفرات تهدد بانتهاء اضطهاد ونهاية ضد السامية ، وبالتالي تهدد بسقوط الستار الحديدي الذي فرضه اليهود علي أنفسهم وتهدد بذوبانهم في شعوب الأمم الأخرى ، ومن هنا تشدد في استبقاء مناخ الاضطهاد وتجسيد أسطورته إلي الأبد لتوقف تيار الذوبان الغلاب الذي يفرض نفسه ويتمثل في التزواج المختلط مع غير اليهود, وفي تحول بعض اليهود إلي عقائد أخري. ويتنبأ حمدان أن يتناقص - لهذا السبب - يهود أمريكا مع تسارع العلمانية..

أفكار خاطئة

مادام اليهود لم يعودا من الساميين فيمكننا أن نرى الخطأ الشائع في تسمية اضطهاد اليهود بمعاداة السامية فنحن في الحقيقة إزاء "ضد اليهودية", الاضطهاد النازي لليهود في ألمانيا لم يكن في جوهره إلا اضطهاد ألمان لألمان , لا يقل معظمهم عنهم في الآرية والنوردية. وإنما يختلفون فقط في الديانة وطريقة الحياة .تسقط كذلك ببساطة أي دعاوى قرابة دم بين العرب واليهود ، فقد يكون يهود التوراة والعرب أبناء عمومة , لكن نسل اسحق ذاب في دماء غربية ووصل الذوبان إلي حد الانحلال حتى أصبحنا إزاء قوم غرباء لا علاقة لهم البتة بإسحاق.


إن اليهود اليوم أقارب الأوروبيين والأمريكيين ومن هنا فإن اليهود في أوروبا وأمريكا ليسوا غرباء او دخلاء أجانب يعيشون في المنفي وتحت رحمة أصحاب البيت بل هم من صميم أهل البيت نسلا وسلالة لا بفرقهم عنهم سوى الدين, إذن اليهود غرباء فقط في فلسطين .

وانطلاقا من هذا يسقط كذلك أي ادعاء سياسي للصهيونية في ارض الميعاد . فبغض النظر عن أن القانون الدولي يتكفل بشجب إدعاءاتهم على أي أساس تاريخي أو ديني فان الانثروبوجيا تبدد أي أساس جنسي قد يزعمون في هذا الصدد. فمن ناحية ليس اليهود قومية ولا هم شعب أو أمة بل هم مجرد طائفة دينية تتألف من أخلاط من كل الشعوب والقوميات والأمم والأجناس .

.. في التسعينات من القرن الماضي بدأ حمدان في كتابة مسودة كتابه " اليهودية والصهيونية" , وربما أراد التوسع في عرض فكرة كتاب " اليهود أنثروبولوجيا " . لكن في أحد الأيام عثر علي العالم الجليل مقتولا في شقته, والبعض قال أنه مات محترقا أثناء أعداد كوب شئ لنفسه حيث كان يعيش في عزله, لكن البعض الآخر يرجح وجود يد للموساد الإسرائيلي خاصة مع اختفاء مسودة الكتاب الجديد. !!

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2009

قطوف من "في ظلال القرآن"

إن الصلاة صلة ولقاء بين العبد والرب. صلة يستمد منها القلب قوة ، وتحس فيها الروح صلة وتجد فيها النفس زادا أنفس من أعراض الحياة الدنيا

********

إن الطبيعة المؤمنة سمحة هينة لينة ، مفتحة المنافذ للأضواء ، مستعدة للاتصال بالنبع الأزلي الخالد بما فيها من نداوة ولين وصفاء. وبما فيها من حساسية وتحرج وتقوى.

*******

لا قيمة لقول بلا عمل. إن العمل هو المعتبر. أو هي الوحدة بين الكلمة المنطوقة والحركة الواقعة ، وهي مناط الحكم والتقدير.

********

إن نصوص القرآن لتسكب في قلب المؤمن من الإيناس ، وتفتح له من أبواب المعرفة ، وتفيض فيه من الإيحاءات والمشاعر ما لا يكون بغير الإيمان. ومن ثم يجد فيه الهدى ، كما يستروح فيه البشرى

*********

إن العقيدة الإسلامية لا تطيق لها في القلب شريكا ولا تقبل شعارا غير شعارها المفرد الصريح إنها لا تقبل راسبا من رواسب الجاهلية في أية صورة من الصور. جل أم صغر.

********

إن الطريق واضح ، والصراط مستقيم .. فإما العلم الذي جاء من عند اللّه. وإما الهوى في كل ما عداه.
وليس للمسلم أن يتلقى إلا من اللّه. وليس له أن يدع العلم المستيقن إلى الهوى المتقلب. وما ليس من عند اللّه فهو الهوى بلا تردد.

الثلاثاء، 30 يونيو 2009

الفاروق عمر.. أسطورة ديمقراطية



جاء النبي صلي الله عليه وسلم إلي الدنيا بمنهاج فغيرها وشكل رجالا كانوا أساطير في سيرتهم, استمرت القافلة تسير في طريق العدل طوال أربعين عاما بعد الهجرة , ثم انحرفت القافلة أو قل جعلوها تنحرف , وتم تغيير وتبديل.. وفي أيامنا ..نحتاج إلى أن نعود إلى منابع القافلة لنسير معها وفي ركابها مرة أخري.


كانت الطامة الكبري التي أصابت المسلمين في جميع عصورهم هي السياسة , ونظام الحكم , وكان غريبا أن يتقدم مسلمي القرون الوسطي في شتي مجالات الحياة ويتخلفوا سياسيا .. والسبب بسيط فقد أراد حكام بني أمية والعباس أن يستأثروا بالحكم بدعوي أنهم خلفاء للرسول.


وفي السطور القليلة القادمة نقرأ في أيام عمر بن الخطاب أثناء توليه أمور المسلمين, واترك للقارئ الكريم الحكم بنفسه.


في عام 1961 أصدر الكاتب الإسلامي خالد محمد خالد كتابه "بين يدي عمر" في محاولة منه لتأصيل الديموقراطية في الإسلام, محتذيا بنموذج فريد تمثل فى حياة الفاروق، فعرض علينا بأسلوبه الساحر تجربة عمر بن الخطاب في الحكم والتي دامت لعشر سنوات.


ماذا تقول لربك غدا...؟


تمثلت حياة عمر ومنهاجه فى تقواه التى استمدها من مراقبته لله فى كل أفعاله، فكان يضع ربه أمامه فى كل فعلة يفعلها ، و كل لقمة شهية يأكلها, و تتساقط دموعه أمام كل شربة باردة وكل ثوب جديد ..تلك الدموع التي تركت تحت مقلتيه خطين أسودين من فرط بكائه ويصلصل داخل نفسه هذا النذير : "ماذا تقول لربك غدا ؟".


هذا هو جبار الجاهلية وعملاق الإسلام!

هذا هو أمير المؤمنين الذى تفتحت لجيوشه أقطار الدنيا.

ها هو ذا يؤم الناس في الصلاة فيسمع بكاءه أصحاب الصف الأخير.


عمر خليفة


يقول خالد محمد خالد في كتابه: "لقد كانت أغلي أمانيه أن يظل عمر بن الخطاب, لا غير .. فلا هو خليفة ولا هو أمير".

ولقد اقتربت منه الخلافة بعد وفاة النبي, إذ بسط أبو بكر يمينه في اجتماع السقيفة قائلا: هات يدك يا عمر نبايع لك..لكن عمر خلص منها ناجيا, وقال: بل إياك نبايع فأنت أفضل مني.

فقال أبوبكر: "أنت أقوي مني يا عمر".

ورد عليه عمر: "أن قوتي لك مع فضلك" , وسارع وبايع أبوبكر.


وحينما ودع أبوبكر الدنيا, وعهد لعمر بالخلافة .. كان يتقبل مكرها, مع كرهه لها تيقناً منه بأنها مسئولية خطيرة .. ولولا علمه بأنه سيحاسب أمام الله إذا رفض تحمل أمانة المسلمين فى هذا الوقت الحرج لفر منها.

تري كيف قضي تلك السنوات والأشهر الستة والأيام الأربعة التي قضاها خليفة للمسلمين؟ تري كيف قضاها وهو تحت هذا الضغط الشديد من خشية الله سبحانه وتعالي؟

لقد كان يرتجف كعصفور إذا قال له أحد: اتق الله .


وكان يقول رحمه الله: " إذا نمت الليل أضعت نفسي, وإذا نمت النهار ضيعت الرعية", ويسأل كل من يلقاه في لهفه: قل لي بربك ولا تكذبني: كيف تجد عمر...؟ أتحسب الله عني راضيا ..؟ أتراني لم أخن الله ورسوله فيكم؟؟

وإذا غشيته من مظنة التقصير غاشية , صاح صيحة مكتومة : "يا ليت أم عمر لم تلد عمر"!


وعامل عمر نفسه كأنه أحد أفراد الشعب الذي يحكمه, وحين أصاب المسلمين أزمة شديدة في اللحم والسمن؛ أدمن أكل الزيت حتى أن أمعاؤه تئن وتقرقر, فيضع كفه علي بطنه ويقول: أيها البطن لتمرنن علي الزيت ما دام السمن يباع بالأواقي.


مع أهله


اذا تأملنا فى حياة عمر مع أهله وأسرته وجدناه مقدسا للمسئولية , مجلاً لأهله ... ومع ذلك كان لا يحرمهم مما ليس لهم بحق فحسب, بل من حق لهم مشروع خوفا عليهم !

ويحُملهم من المسئوليات أضعاف ما يحمله نظراؤهم من الناس، حتي صار القرب من عمر عبئا يود أصحابه لو استطاعوا منه الفرار.


يدخل يوما دار ابنه عبد الله فيجده يأكل شرائح لحم فيغضب ويقول له :

"ألأنك ابن أمير المؤمنين تأكل لحما, والناس في خصاصة !؟ ألا خبزا وملحا ؟ ألا خبزا وزيتا؟

ويخرج يوما إلى السوق فيري إبلاً سماناً تمتاز عن بقية الإبل بنموها وامتلائها فيسأل: إبل من هذه؟

قالوا: إبل عبد الله بن عمر

فينتفض أمير المؤمنين كـأنما رأى قيامته ويقول:

عبدالله بن عمر؟؟ بخ بخ يا بن أمير المؤميين؟

وأرسل في طلبه وأقبل عبدالله يسعي, وحين وقف بين يدي والده قال له: ما هذه الأبل يا عبدالله؟

فأجاب: أنها إبل هزيلة اشتريتها بمالي وبعثت بها الي المرعي أتاجر فيها

قال عمر في تهكم لاذع: ويقول الناس حين يروُنها ..ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين ..اسقول إبل ابن أمير المؤمنين ..وهكذا تسمن إبلك ويربو ربحك يا ابن أمير المؤمنين.

ثم صاح به: يا عبد الله بن عمر, خذ رأس مالك الذي دفعته في هذه الإبل, واجعل الربح في بيت مال المسلمين.

وهنا يعلق خالد محمد خالد علي هذه القصة قائلا: يا خالق هذا الإنسان , سبحانك !!!

إن عبدالله لم يأت أمرا نكرا, إنما يستثمر ماله الحلال في تجارة حلال, وهو بدينه فوق كل شبهة, ولكن لأنه بن أمير المؤمنين يحرمه ابوه, مظنة أن تكون بنوته قد هيأت له من الفرص ما لا يتوافر لغيره من الناس.


مسئوليته عن الناس


كان عمر يري نفسه مسئولا مسئولية مباشرة عن كل رجل في سربه..عن كل أمرأة في بيتها ..عن كل طفل رضيع في مهده.. وهو يبدأ مسئوليته تجاه الناس بأن يعيش في أدني مستويات معيشتهم, فاذا دُست عليه لقمة متميزة قال "بئس الوالي إن أنا طعمت طيبها, وتركت للناس عظامها".


وانتقلت هذه المسئولية إلى الأموات, وحينما زار الشام جئ له بطعام طيب, مختلف ألوانه, فدمعت عيناه وقال: كل هذا لنا, وقد مات إخواننا فقراء لا يشبعون من خبز الشعير؟؟


وفي عام الرمادة يسمع عن جماعة في أقصي المدينة قد نزل بهم الضر أكثر من غيرهم, فيحمل فوق ظهره جرابين من دقيق ويحمل خادمه قربة مملوءة بالزيت ثم يهرولان إلى هناك ليحملان النجدة والغوث.. ويطهو عمر بنفسه الطعام حتي يطعموا .


مع الولاة


كان عمر يدقق في اختيار الولاة والعمال, حيث كان يعد نفسه مسئولا عن كل غلطة يرتكبها أحد ولاته علم بها عمر أو لم يعلم.


وكانت أولي خطواته في اختيار الولاة استبعاد كل راغب في المنصب طامح اليه, لأن الذي يحمل شهوة الحكم يحمل شهوة التحكم.. ولضمان تحقيق العدل جعل الحاكم تحت رقابة المحكوم, وكان يحقق بنفسه وعلي الفور فى كل شكوي يشكوها مواطن من حاكم.


وجاء على عمر يوما وفد من مصر, وفيه فتي مكروب يقول له أن محمد بن عمرو بن العاص والي مصر قد أوجعه ضربا لأنه سابقه فسبقه, فعلا ظهره بالسوط وهو يقول خذها أنا ابن الأكرمين..!!

ويرسل أمير المؤمنين يدعو عمرو بن العاص وابنه محمدا, ولندع أنس بن مالك يروي لنا النبأ فيقول: فوالله إنا لجلوس عند عمر وإذا عمرو بن العاص يُقبل في إزار ورداء فجعل عمر يتلفت باحثا عن ابنه محمد فإذا هو خلف ابيه.. فقال: أين المصري؟

قال: هأنذا يا أمير المؤمنين.

قال عمر: خذ الدرة, واضرب بها ابن الأكرمين.

فضربه حتي أثخنه ونحن نشتهي أن يضربه فلم ينزع حتي أحببنا أن ينزع من كثرة ما ضربه, وعمر يقول: اضرب ابن الأكرمين.

ثم قال لعمرو بن العاص "يا عمرو, متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم احرارا؟

والتفت إلى المصري: انصرف راشدا, فإن رابك ريب فاكتب إلي.


أمانة عمر


كانت القيامة تقوم اذا سمع عمر أن درهما واحدا من الأموال العامة قد اخُتلس أو انُتهب أو أنُفق في ترف أو إسراف, وكان يرتجف وكأن خزائن المال كلها ضاعت وليس درهما أو بعض درهم.


ها هو ذا يعدو وراء بعير أفلت من معطنه, ويلقاه علي بن أبي طالب فيسأله : إلى أين يا أمير المؤمنين؟

فيجيبه: بعير ند من إبل الصدقة أطلبه!

فيقول له علي:" لقد أتعبت الذين سيجيئون بعدك..."!

فيجيبة عمر بكلمات متهدجة: "والذي بعث محمدا بالحق, لو أن عنزا ذهبت بشاطئ الفرات, لأخُذ بها عمر يوم القيامة ..."!


الشوري


لا يوجد حاكم في التاريخ رفع من قدر الشوري مثلما رفعها عمر, وقد نالت الديمقراطية من ذلك الرجل بخير فرص التألق والازدهار, لم يحاول عمر أن يفرض رأيه أو أن يملي مشيئته ولم ينفرد ساعة من نهار بحكم الناس دون أن يشركهم في مسئولية هذا الحكم.


وكان يحذر من قول الرأي الذي يوافق رأيه قائلا " لا تقولوا الرأي الذي تظنونه يوافق هواي، وقولوا الرأي الذي تحسبونه يوافق الحق".

والشوري والمعارضة عند أمير المؤمنين هما جناحا الحكم الصالح القويم.


يصعد عمر المنبر يوما فيقول: "يا معشر المسلمين, ماذا تقولون لو ملت برأسي إلى الدنيا هكذا"؟

فيشق الصفوف رجل ويقول وهو يلوح بذراعه كأنها حسام ممشوق: إذن نقول بالسيف هكذا.

فيسأله عمر: إياي تعني بقولك؟؟

فيجيب الرجل: نعم إياك أعني بقولي.

فتضئ الفرحه وجه عمر ويقول "رحمك الله.. والحمد لله الذي جعل فيكم من يقوم عوجي"!!

لم يكن هذا الموقف من أمير المؤمنين استعراضيا, إنما كان ينشد من ورائه الوصول إلى الحق والطمأنينة إلى أنه يحكم أمة من الأسود لا قطيعا من النعاج.


في يوم , وهو جالس مع أخوانه يخترق الصفوف رجل ثائر ملء قبضته شعر محلوق ولا يكاد يبلغ عمر حتي يقذف بالشعر في صدره في مرارة واحتجاج، ويموج الناس بالغضب ويهم به بعضهم فيؤمي إليهم عمر ثم يجمع الشعر بيده ويشير للرجل فيجلس وينتظر عمر حتي يهدأ روعه ثم يقول له:

والأن ما أمرك ؟؟

فيجيب الرجل وقد عادت إليه ثورته: أما والله, لولا النار يا عمر ..!!

فيقول عمر: صدقت والله.. لولا النار..!! ما أمرك يا أخا العرب؟

ويقص الرجل شكوته, وفحواها ان أبا موسي الأشعري أنزل به عقوبة لا يستحقها, فجلده وحلق شعر رأسه بالموسي, فجمع الرجل الشعر وجاء به إلي عمر.

فينظر عمر إلى وجوه أصحابه ويقول:

لأن يكون الناس كلهم في قوة هذا أحب إلى من جميع مما أفاء الله علينا.

ثم يكتب لأبي موسي يأمره أن يُمَّكن الرجل من القصاص منه جلدا بجلد وحلقا بحلق.


تواضعه


لم يكن عمر يستهويه التمايز, ولا يمكن أن يجد راحة نفسه وغبطتها إلا في البساطة المتناهية, وفي الحياة "بين" الناس لا "فوق" الناس.

فهو يجلس حيث انتهي به المجلس ..ليس له مكان صدارة يختص به نفسه, وهو ينام حيث يدركه النوم, فوق الحصيرة في داره, أو فوق الرمال تحت ظل النخيل..!! وهو يأكل ما يجد , وما يقيم الأود لا غير ..شريحة من اللحم المقدد , أو شريحة من الخبز مبللة بالزيت متبلة بالملح..!!

وهو سعيد حين يسمع امرأة أو غلاما يناديه: يا عمر

وهو في سعادة لو علمها ملوك الأرض لحسدوه عليها , حين يري عجوزا تحمل مكتلا يصعب عليها حمله, فيتقدم منها ويحمله, ويضحك ملء نفسه, وهو يسمعها وهي تقول له شاكرة :

أثابك الله الخير يا بني ..إنك لأحق بالخلافة من عمر..!!

تلك هي الأسطورة التي مشت علي أرض الحجاز، و قال عنها عبدالله بن مسعود " لله در ابن الخطاب أي امرئ كان..؟!.