الثلاثاء، 15 أكتوبر 2013

كن إنسانا.. ولا تكن وحشا يدافع عن الظلمة والقتلة



لم أستطع أن أعجب بشخصية محمد على باشا , فالرجل بأفعاله وتجبره وضع بيني وبينه ألف حاجز!

صحيح أنه بني مصر الحديثة , وحجز لها مكانا بين أمم الشرق والغرب , فسطع اسمها من جديد بعد سنوات من الغرق في بحور النسيان أيام الحكم العثماني.. ورغم تلك النهضة , إلا أنه أهمل أهم ركن في تشييد الحضارات , وهو الإنسان.

فالباشا الكبير شاد القصور , وحفر الترع , وبث الحياة في التعليم , وأدار ماكينات المصانع , وأجري السفن في البحار والأنهار تحمل التجارة , وشاد إمبراطورية مصرية ضمت شبة الجزيرة العربية والسودان والشام وجزيرة كريت..
لكنه في سعيه لمجده هدم الإنسان المصري , وقتل روحه.

وإليك هذا النبأ لعلك تشاركني فيما أري..

فكر باشا مصر في إعادة شق ترعة المحمودية لتحمل الماء العذب إلى الإسكندرية , ولتصبح طريقا تجاريا بين القاهرة وميناء مصر على البحر المتوسط. وكانت الرمال والأتربة قد طمرت الترعة في الأزمان السابقة, فعزم الباشا على إعادة إحيائها , فانظر ماذا فعل؟

كلف الباشا زبانيته , فجاسوا خلال الديار , فساقوا أمامهم بالسياط أكثر من 300 ألف فلاح , مكبلين في الأغلال ! ليعملوا شهور طوال بالسخرة , يقتاتون على أقل الطعام .. تحرق حلوقهم حرارة الصيف.. ويجمد البرد أطرافهم في الشتاء.. وعلى ظهورهم تنطبع آثار السياط تنبئهم أن الجلاد لا يرحم من يتهاون في العمل!

وفي مدة عشرة أشهر فقط سقط اثنا عشر ألفا شهيدا , دفنوا على ضفتي الترعة تحت أكداس التراب الذي كان يرفعونه من قاعها , ومعظمهم مات من قلة الزاد والمؤونة أو من الإعنات في العمل بلا هوادة ولا رحمة من طلوع الفجر وحتى تغرب الشمس , وسوء المعاملة من الجنود القساة المنوط بهم حراستهم.

المؤرخ الجبرتي في كتابه البديع "عجائب الآثار" يصف في كلمات حزينة ما أصاب أبناء مصر على يد محمد على فيقول " كانوا يربطونهم قطارات بالحبال وينزلون بهم المراكب , وتعطلوا عن زرع الدراوي الذي هو قوتهم , وقاسوا شدة بعد رجوعهم من المرة الأولي بعدما قاسوا ما قاسوه , ومات الكثير منهم من البرد والتعب , وكل من سقط أهالوا عليه تراب الحفر ولو فيه الروح [1]".

أي وحشية  تلك؟! وأي حيوانية تسيطر على القلوب؟!

ومع تلك الصورة المحزنة , لن نعدم مؤرخا وكاتبا يدافع عن الحاكم - وأي حاكم - , معددا  الفوائد والثمرات التي جنتها البلاد من أعماله وكفاحه في أعمار البلاد وإصلاح أحوال العباد!!

وهؤلاء.. نهديهم تلك الكلمات..
تخيل لو كان جدك أحد هؤلاء المساكين الذين سقطوا إعياء , وهم يحملون الطين من قاع الترعة إلى ضفتها , فإذا التراب يهال عليه ليدفن حيا؟!
ولنعود بالمشهد قليلا إلى الوراء..
تخيل الآن..جند الباشا يهجمون على القرية الآمنة الساكنة , ينتزعون الفلاح من حقله .. يكبلونه بالسلاسل.. يسوقونه كالماشية .. ينظر بعين دامعة إلى أرضه.. من يعني بهما من بعده؟..ومن لولده وزوجه؟!..ومن يسد رمقهما؟!..وهل سيراهما ثانيا؟!..هل ستكتب له الحياة من جديد أم يدفن تحت التراب؟!

ما أقصده يا صديقي هنا.. ليس أن تكن الحقد على محمد على باشا , أو أي حاكم وسلطان وملك وأمير , وإنما أن تجعل الإنسان وبناءه وتشييده , هو معيارك للحكم والتقييم , فالإسلام جاء ليبني الإنسان ويكرمه , ويفضله على سائر المخلوقات , وليكون سيد الكون.

انظر يا صاحبي إلى النبي في تعامله مع الإنسان وكيف سما به إلى مراتب الكرامة , وحتى ولو كان مشركا ..
الإمام مسلم في صحيحه يروي أن رسول الله مرت به جنازة فقام واقفا , فقال له الصحابة: إنه يهودي!
فقال: "أليست نفسا".

ألا ما أروع هذا الموقف..

الحبيب محمد صلي الله عليه وسلم يعلمنا أن نحترم النفس الإنسانية على الإطلاق , حتى أنه قام واقفا لجنازة تحمل يهوديا , وحينما قال صحابته أنها ليهودي , أي من القوم الذين عدوك وحاولوا اغتيالك مرات عدة , وألبوا عليك قبائل العرب , قال لهم بمنطق حاسم " أليست نفسا".

إنه الاحترام للنفس الإنسانية.

وحينما يُقتل عمه حمزة في أحد , وتبقر بطنه وسبعين من صحابته الكرام , أقسم النبي × ليمثلن بجثث سبعين من قريش إذا ظفر بهم.. لكن النفس الموصولة بالسماء تستكين بعدل ربها.. وينزل قوله تعالي " وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ".
هذا هو رسول الرحمة..

ومن بعده , جاء ملوك وسلاطين تسموا باسم الإسلام وزعموا أنهم يحكمون بشرعه , فإذا هم يستحلون القتل والتمثيل بالجثث..
ألم يكن غريبا ومدهشا في التاريخ الإسلامي وبلادنا الإسلامية أن يدخل رجلا على السلطان فيقول كلمة يغضب لها الجالس على العرش.. فيدفع الرجل حياته ثمنا لها..هكذا ببساطة وبأمر بسيط من السلطان يلق الناس موتهم دون تحقيق أو محاكمة أو قاضي عادل يستمع للقضية.

أيحدث هذا في بلاد الإسلام وباسم الإسلام!
ألا ما أبعد الشقة بين نبي الرحمة , والملوك الذين حكمونا باسم الإسلام!
يا صديقي
حديثي ليس نبشا في الماضي , فقد تكرر وسيتكرر في كل عصر , إذا تحزبنا نحن للحكام ندافع عنهم ونبرر لهم , لا أن نقول لهم أن دماء الناس "حرام عليكم كحرمة شهركم هذا في بلدكم هذا". كما أوصانا الحبيب × في خطبة الوادع , يلقي إلينا بالنبأ الهام لعلنا نحفظه ولا نضيعه.

الخلاصة: أعرف يا صاحبي مقدار حرمة النفس الإنسانية..ولا تكن أبدا ممن يسوغ لقتلها , فتكون من الظالمين.  



[1] - هل عجز محمد على عن تأجير من يعمل في حفر الترعة...أو تعامل مع فلاحي مصر بشئ أكثر من العدل والرحمة؟!!..أسئلة عديدة تحتاج إلى أجوبة..فالرجل كان مصرا على تحقيق ما يرفع البلد لا شئ إلا لأنها – في ظنه - ستكون ملكية خاصة له ولأبنائه من بعده.. فاستهان في سبيل أحلامه بالإنسان المصري وعده من جملة الرقيق والعبيد!!
 

الاثنين، 14 أكتوبر 2013

صلاح الدين.. ويوسف زيدان





صلاح الدين الأيوبى، كان قائداً (خائناً ) للسلطان نور الدين الذى أرسله على رأس الجيش من دمشق إلى مصر، لتأمين حدودها ضد هجمات الصليبيين، فترك الأمر ومهَّد لنفسه السلطة... حتى إن السلطان نور الدين جهَّز جيشاً لمحاربة صلاح الدين (المنشق) ولكنه مات ليلة خروج هذا الجيش.
بعد مناورات كثيرة، ومداورات، اضطر صلاح الدين الأيوبى مدفوعا بالغضب العربي العارم إلى محاولة انتزاع القدس وإخراج المحتلين منها..لكنه لم يفلح في انتزاعها من قبضة الصليبين إلا صلحا إلا صُلحاً.. ثم أعادها الأيوبيون ثانيةً إلى الصليبيين، كهدية، سنة ٦٢٨ هجرية!

هكذا انتقد الروائي يوسف زيدان صلاح الدين الأيوبي، وفي أكثر من موضع، في جريدة المصري اليوم، ضمن سلسلة المقالات "أوهام المصريين" ، ثم عاد وكرر ما نشره في كتاب "متاهات الوهم" وكتابه "كلمات".

وما أكتبه الآن، ليس دفاعا عن صلاح، فطالما نال محرر بيت المقدس هجوما، حتى من المؤرخين المعاصرين له، كابن الأثير، بيد أن زيدان ألقي بمجموعة من التهم في وجه قراءه عن صلاح الدين، واخترع أشياء جديدة لم نسمع عنها في كتب التاريخ!!
وتباينت الردود على الدكتور زيدان، ما بين أنه يشوه صورة أبطالنا.. أو أن هذا الوقت غير مناسب لما يكتب.. أو لا يجوز الحديث بهذا الشكل "للعامة"!!
وكان الأفضل والأسلم أن يكون الرد عليه: من أين أتيت بما تقول؟!

لنبدأ بالقول بأن اتهام صلاح الدين بخيانة قائده نور الدين محمود لم تكن الأولي هنا، لكن الدكتور زيدان يبرر خيانة صلاح الدين بأن السلطان نور الدين محمود بن زنكي أرسله "على رأس الجيش من دمشق إلى مصر، لتأمين حدودها ضد هجمات الصليبيين، فترك الأمر ومهَّد لنفسه السلطة" – هكذا كتب في المصري اليوم ومتاهات الوهم ، أو أن نور الدين أرسله لتحصين سواحل مصر ضد الصليبين ، فترك تحصين دمياط ، و"أخذ صلاح الدين في تثبيت أقاربه على كراسي الحكم ، وبالغ في منحهم الإقطاعيات. وقد خنق السلطان السني نور الدين لتقاعسه عن تحصين سواحل مصر ، فجهز جيشا لحرب صلاح الدين " هكذا قال في كتاب "كلمات"!!.

من أي المراجع التاريخية أتي زيدان بهذا الكلام؟!
السلطان نور الدين محمود أرسل ثلاث حملات إلى مصر، بقيادة أسد الدين شيركوه، لحماية مصر من الوقوع في قبضة الفرنج، الذين سعوا في ذات الوقت لاحتلالها. وكان صلاح الدين يوسف بن أيوب مع عمه شيركوه.
واستطاع الاثنان بعد جهود مضنية، وثلاث حملات تخليص مصر من الخطر الصليبي (وضع الفرنج جنود لهم على أبواب القاهرة بالاتفاق مع الوزير الفاطمي). وأصبح شيركوه وزيرا للعاضد أخر خلفاء الفاطميين. ثم توفي ، فخلفه ابن أخيه صلاح الدين.
إذن لم يرسله لتأمين حدود مصر!! أو تحصين دمياط !! وإنما ذهب صلاح الدين ضمن ثلاث حملات لاستنقاذ مصر من الخطر الصليبي. وضمها إلى دولة نور الدين في الشام وتكوين جبهة قوية في البلدين تضع الإمارات الصليبية بين شقي الرحى.

يكتب زيدان " والعجيب، الدال على شخصية صلاح الدين، أنه كان فى الوقت ذاته قائداً من قوَّاد السلطان نور الدين (السُّنىِّ) ووزيراً للحاكم الفاطمى لمصر (الشيعى) مع أن الدولتين كانت بينهما خلافات لا تقلُّ عمقاً عما كان بين المسلمين أصحاب الأرض (أصحاب البلد) والمسيحيين الغزاة الذين اشتهروا باسم الصليبيين".

ولا نعلم ما المقصود بتلك الجملة!! وما الذي يعيب شخصية صلاح الدين.. نعم كان وضعا غريبا، لكن صلاح الدين لم يضع نفسه فيه، فقد سبقه كما قلنا عمه شيركوه في منصب الوزارة. وكان المتابع للأحداث يعلم أن الخلافة الفاطمية تعاني سكرات الموت، وأن نور الدين محمود يريد من ضم مصر قطع الخطبة للخليفة الفاطمي وإعادة الدعاء للخليفة العباسي، لتوحيد العالم الإسلامي من جديد. وهو ما تم على يد صلاح الدين الأيوبي. وانتهت الدولة الفاطمية بدون ضجيج. المحرم 567 هجريا / 1171 ميلاديا.

وبالنسبة لدمياط وتحصينها التي يقول زيدان أن صلاح الدين أهمل تحصينها، فتذكر المراجع التاريخية أن الصليبين هاجموا ميناء دمياط عام 565 هجريا / أكتوبر 1169 ، وجاء الهجوم أثر تعاون بين الملك عموري – حاكم بيت المقدس والإمبراطور البيزنطي عمانويل كومنين، في محاولة للاستيلاء على مصر، قبل أن يوطد نور الدين أقدامه فيها. واستطاع صلاح الدين أن يثبت براعته الحربية وحنكته السياسية.
وأسرع صلاح الدين وأخبر سيده نور الدين محمود يخبره بما يدبره الصليبين ، وأرسل المال والسلاح والعتاد لجنوده في المدينة الساحلية التي صمدت للحصار الصليبي مدة 51 يوما، قام فيها نور الدين محمود بهجمات على أملاك الصليبين في الشام أجبرتهم على فك الحصار.

فلا رابط البتة بين خيانة صلاح الدين وتحصين دمياط التي تركها!! وكان الأمر على العكس، تعاون بين السلطان وقائده في مصر، وبعدها استرد غزة، وهاجم الرملة وعسقلان، والأهم استعادة ميناء أيلة على البحر الأحمر.

"وبعد أن شعر صلاح الدين بقوته وثبات مركزه في مصر رفض أن يتعامل نور الدين مع مصر باعتبارها مجرد مورد للأموال التي يمول بها حروبه ضد الفرنج في بلاد الشام".. هكذا كتب المؤرخ الدكتور قاسم في كتابه "في تاريخ الأيوبيين والمماليك"، شارحا أسباب "الخلاف" ونظرة كلا الرجلين إلى الأوضاع السياسية في المنطقة، فنور الدين رأي مصر ممول لخططه العسكرية والسياسية بمواردها الاقتصادية، وأن تكون ظهيرا بشريا للقوي السياسية في بلاد الشام والعراق. ولكن صلاح الدين أدرك أن مصر هي مفتاح المنطقة العربية، ولذلك فيجب أن تقود الصراع لا أن تبقي قوة احتياط. 
وهناك من المؤرخين من يرون صلاح الدين مخطئا، برغبته في الاستقلال عن مصر، كالمؤرخ ابن الأثير في كتابه "الكامل في التاريخ"، وأبو شامة صاحب كتاب الروضتين.
على أية حال، اعتزم نور الدين محمود الخروج من دمشق والذهاب إلى مصر، ربما لخلع صلاح الدين كما يري البعض، أو لإحكام قبضته على مصر، بيد أن القدر لم يستمهله، ومات بعد عيد الفطر بقليل 11 شوال 569 / 15 مايو 1174م.
وبعد اتهام صلاح الدين بالخيانة يأتي زيدان بنص غريب ومريب فيقول" بعد مناورات كثيرة، ومداورات، اضطر صلاح الدين الأيوبى مدفوعا بالغضب العربي العارم إلى محاولة انتزاع القدس وإخراج المحتلين منها..لكنه لم يفلح في انتزاعها من قبضة الصليبين إلا صلحا إلا صُلحاً"
هناك كلمات لابد أن يتحفظ أمامها كل دارس للتاريخ الإسلامي، والحروب الصليبية، فماذا تعني كلمة "مضطرا"، هل كان صلاح الدين يحارب الصليبين بدون رغبة للجهاد أو بالعامية بدون نفس؟! وهنا مرة أخري: نطالب زيدان أن يفصح عن ماهية الغضب العربي العارم الذي دفع صلاح الدين لمحاولة انتزاع القدس!! لقد كانت المنطقة العربية تذخر بالعديد من الأمراء.. وكان الشام وبلاد ما بين النهرين تملأ سماءها أسماء أمراء يفرضون سيطرتهم على مدن كبرت أو صغرت. ولم يكونوا في حاجة لخوض الحرب من الصليبين.
 
وما العيب في دخول بيت المقدس صلحا، لقد وجه صلاح الدين إلى سكانها إنذارا لتسليم المدنية مقابل تأمينهم ، لكنهم رفضوا ، فأقسم أن يستولي عليها بحد السيف ، وبدأ هجومه يوم 20 سبتمبر 1187 ، وسقط القتلى من الجانبين، ثم أخيرا توصل الطرفان إلى اتفاق، ودخل صلاح الدين المدينة في الثاني من أكتوبر 1187 / 27 رجب 583 هجريا ، في ذكري الإسراء والمعراج.

وشهرة صلاح الدين كفارس من فرسان المسلمين لم تبدأ في القرن العشرين.
أتدرك - يا صاحبي - لما نال القائد صلاح الدين الأيوبي كل تلك الشهرة في العالمين العربي والغربي؟ قد تقول لأنه انتصر في موقعة حطين , واستردّ بيت المقدس , وحارب ملوك أوروبا الأشداء.

كل ما تقوله صحيح ؛ لكن عفوه وصفحه عن أعدائه كان أشد وقعاً عليهم من ضربات السيوف ؛ فقد أخذت أوروبا كلها ترتجف بعد انتصاره الحاسم في حطين , ترقباً للمذبحة التي ستحلّ بالصليبين في بيت المقدس انتقاماً لما فعلوه بالمسلمين.. ولكن شيئا من ذلك لم يحدث.. لقد سمح صلاح الدين لأهل المدينة أن يغادروها بعد دفع فدية بسيطة للغاية! بل وأعتق من لم يقدر على دفع الفدية من فقراء الصليبين , وأطلق سراح من كان في أسر المسلمين من الأزواج والآباء , وأجزل العطاء من ماله الخاص للنساء والبنات اللائي قُتل أزواجهن وآباؤهن.

لقد أحدث صلاح الدين بفعله ذلك صدمة نفسية في العالم الصليبي!!

يقول الكاتب الأمريكي ول ديورانت في موسوعته قصة الحضارة: "كان شفيقاً على الضعفاء , رحيماً بالمغلوبين , يسمو على أعدائه في وفائه بوعده سمواً جعل المؤرخين المسيحيين يعجبون كيف يخلق الدين الإسلامي الخاطئ - في ظنهم - رجلاً يصل في العظمة إلى هذا الحد؟!". 

وحينما يكتب الشاعر الإيطالي دانتي كتابه "الكوميديا الإلهية" , والذي يصف فيه أهل الجنة والنار , لا يستطيع إلا أن يجعل صلاح الدين من أهل الجنة برغم أنه ينتمي -في نظره- إلى دين الكفار!!

لقد كسب صلاح الدين بأخلاقه أضعاف ما حققه بضربات السيوف.

ولم يكن للفيلم الشهير الذي أخرجه يوسف شاهين ولعب دور البطولة أحمد مظهر إلا متمما للشهرة على المستوي الشعبي، وإن كان الفيلم قد شوه الحقيقة!! وارتكب العديد من الأخطاء التاريخية.
هل يعقل عن فيلم يتحدث عن الحروب الصليبية والصراع بين الإسلام والغرب الصليبي، فإذا به يتجاهل تماما ذكر كلمات "إسلامية- إسلام – مسلمين"!!، فصلاح الدين هو خادم العرب.. سلطان العرب.. منقذ العرب. والقدس مدينة عربية. والعربي شجاع شهم!! ولا مكان للإسلام والمسلمين.
 وهذا الأمر جاء بسبب الفترة التي كتب فيها الفيلم، وفوران أحاديث القومية العربية. وتصوير الصراع مع الصهيونية على أنه صراع عربي – صهيوني , وليس للدين دخلا فيه ، رغم أن اليهود يتحركون في حربهم من منظور ديني.
هم يقولون: نحن أحفاد بني إسرائيل، ونريد أن نعيد أمجاد مملكة سليمان ونبني الهيكل المزعوم. ونحن نقول: نحن أحفاد بني كنعان، ولا مكان للقدس التي دخلها الخليفة عمر بن الخطاب، والأرض التي انتشر فيها الإسلام منذ القرن الأول الهجري وحتى اليوم.

وأخيرا.. يثير زيدان شبهة حول صلاح الدين بأن القدس التي حارب من أجلها، تم تسليمها هدية إلى الصليبين عام 628 هجريا.
هذا صحيح، لكنه حدث في عهد الملك الكامل ابن الملك العادل شقيق صلاح الدين. في أحداث كانت غريبة بما تحمله الكلمة. أثناء الحملة الصليبية السادسة. والتي كانت أغرب واحدة في سلسلة الحملات الصليبية قاطبة. فقائدها كان الإمبراطور فريدريك الثاني المحروم من الكنيسة والمطرود من رحمتها، وجاء الشام ومعه خمسمائة فارس فقط. جاء على وعد من الكامل أن يسلمه القدس إذا ساعده في صراعه مع أشقائه.
وحينما وصل، كان الصراع قد تم تسويته، واستعطف الإمبراطور السلطان الكامل، وكان مفرطا في تسامحه، وبعد مشاورات تم تسليم المدينة للصليبين في واقعة هزت العالم الإسلامي، ونشرت النقمة على الملك الأيوبي الذي فرط في جهود أسلافه بمنتهي اليسر.

وإلى السيد زيدان.. تستطيع أن تملأ ما تشاء من صفحات انتقادا لصلاح الدين الأيوبي، وهذا حقك وحق كل متأمل في التاريخ، طالما اعتمد على المصادر التاريخية والتفكير النقدي العلمي.
وقد سبقك العديد والعديد من المؤرخين والكتاب الذين لموا صلاح الدين في العديد من الخطوات.. مثلا بعد معركة حطين لم يتوجه للقد س مباشرة لافتتاحها مفضلا الاستيلاء على المدن الساحلية، تاركا الحرية لأهلها بين البقاء والرحيل، فكانوا يختارون الرحيل، وهكذا تجمعوا في مدينة صور، مما أدي إلى استحالة الاستيلاء عليها، وإلى تمكين الصليبين من اتخاذها مركزا لإحياء مملكة بيت المقدس.

الأربعاء، 9 أكتوبر 2013

كيف نجح الخرباوي في تحريف كلام الشيخ الغزالي .. وأسطورة "سر المعبد"






"سر المعبد" بين ماسونية الهضيبي وعلامة رابعة.. والافتراء على الشيخ الغزالي

بالأدلة والمستندات: الخرباوي يحرف كلام الغزالي .. ويتجاهل اعتذاره للمرشد الثاني

كتاب "معالم الحق" للغزالي ليس فيه ذكر لانحراف قطب عن طريق البنا..فمن أين أتي الخرباوي بما قال؟




"قال لي صديق: أحننت لماضيك ؟
قلت: حنيني أبدا إلى العدل والمرحمة!
قال: ألم تتناول الهضيبي باللسان الحاد؟ قلت: غضبت فذكرت أسوأ ما علمت.
ومن حق الرجل أن أقول عنه: إنه لم يسع إلى قيادة الإخوان ، ولكن الإخوان هم الذين سعوا إليه ، وأن من الظلم تحميله أخطاء هيئة كبيرة مليئة بشتى النزعات والأهواء ..


هذا نص ما كتبه الشيخ محمد الغزالي في كتابه الهام " من معالم الحق في كفاحنا الإسلامي الحديث"..
وللكلمات السابقة أهمية كبرى ونحن نناقش كتاب "سر المعبد" لثروت الخرباوي ، العضو السابق في جماعة الإخوان المسلمين.

الكتاب صدر في 2012 ، ويتحدث فيه الخرباوي عن الفترة التي قضاها داخل الإخوان ، حتى تركها عام 2002.. وتناول الجماعة بالعديد من الاتهامات ، لعل أخطرها الزعم بأن الإخوان جماعة نجحت الماسونية في اختراقها.. ورغم أن الخرباوي لم يكن أول من يتهم الإخوان بذلك، إلا العديد من الصحف والمواقع نقلت عنه، وعن كتاب الغزالي، وكأنه الحجة الدامغة.


لاقي "سر المعبد" نجاحا باهرا ، وتوالت طبعاته ، وتهافت عليه جمهور القراء عليه. وصار صاحبه نجم فضائيات بامتياز.. وحتى الآن، متحدثا عن ماسونية الإخوان، وليس الهضيبي فقط، وماسونية علامة رابعة!!

أعتمد الأستاذ ثروت في اتهامه للإخوان بالماسونية على بعض "الأدلة الاستنباطية" ، وبشكل أكبر على كتاب "قديم" للشيخ محمد الغزالي.


لنبدأ الرحلة ، ونقرأ في صفحة 26 من "سر المعبد" ، ونجد الخرباوي يحدثنا عما لفت نظره بأن التنظيم الماسوني يشبه من حيث البناء التنظيمي جماعة الإخوان ، حتى درجات الانتماء للجماعة وجدتها واحدة في التنظيمين !!
هذه الملاحظة تدفعه للعودة إلى الكتاب القديم أو الطبعة القديمة لكتاب الشيخ محمد الغزالي ، ويحمل اسم "ملامح الحق" ، ويتحدث فيه عن أن الهضيبي كان ماسونيا !!

كتب الخرباوي في صفحة 28 نقلا عن كتاب الشيخ الغزالي:

"إن سيد قطب انحرف عن طريق البنا ، وأنه لم يشعر أحد بفراغ الميدان من الرجالات المقتدرة في الصف الأول من الجماعة المسماة الإخوان المسلمين إلا يوم قُتل حسن البنا في الأربعين من عمره ، لقد بدا الأقزام على حقيقتهم بعد أن ولي الرجل الذي طالما سد عجزهم , وكان في الصفوف التالية من يصلحون بلا ريب لقيادة الجماعة اليتيمة ، ولكن المتحاقدين الضعاف من أعضاء مكتب الإرشاد حلوا الأزمة ، أو حُلت بأسمائهم الأزمة بأن استقدمت الجماعة رجلا غريبا عنها ليتولي قيادتها.

وأكاد أوقن أن وراء هذا الاستقدام أصابع هيئات سرية عالمية أرادت تدويخ العالم الإسلامي الوليد فتسللت من خلال الثغرات المفتوحة في كيان جماعة هذه حالها وصنعت ما صنعت.

ولقد سمعنا كلاما كثيرا عن انتساب عدد من الماسون بينهم الأستاذ حسن الهضيبي نفسه لجماعة الإخوان ولكنني لا أعرف بالضبط كيف استطاعت هذه الهيئات الكافرة بالإسلام أن تخنق جماعة كبيرة على النحو الذي فعلته ؟ وربما كشف المستقبل أسرار هذه المأساة".

بعد تلك المفاجأة التي يقدمها الخرباوي عن ماسونية حسن الهضيبي وسيد قطب؛ والذي زعم أنه كتب في مجلة "التاج المصري" لسان حال المحفل الماسوني المصري ، وكذلك ماسونية مصطفي السباعي مراقب الإخوان في سوريا ، بعدها يتركنا نمضي عبر صفحات طويلة من كتابه ، ينقلنا من درب إلى أخر ، حتى نحط الرحال في فصل "الماسيو إخواكية" والذي يبدأ من صفحة 229.


هنا ، يتحدث الخرباوي عن "شكوكه الاستنباطية" حول اختراق الماسون للإخوان ، فيما لا يملك دليلا حقيقيا يقدمه لجمهوره ، فكل ما يقدمه هو وجود تشابه بين شعار الجماعة وشعار الماسونية!! وكذلك التطابق بين مراسم الدخول في الماسونية وطقوس الانضمام إلى "التنظيم الخاص" للإخوان!!.

في السطور التالية ، نجري مقارنة بين ما كتبه الغزالي وما سطره الخرباوي.

من ملامح الحق

في البداية نؤكد أن الغزالي لم يصدر يوما كتاب يحمل اسم " من ملامح الحق".. وليس صحيحا أن الإخوان قاموا في السبعينات بتغيير اسمه إلى "من معالم الحق"!!..
فها هي بين أيدينا الطبعة الأولي من الكتاب والصادرة عن "دار الكتاب العربي بمصر" تحمل اسم "من معالم الحق". ثم عاد الغزالي إصداره في طبعة مزيدة ومنقحة كما جاء على غلاف الطبعة الثالثة الصادرة عن "دار الكتب الحديثة".. وصار اسمه "من معالم الحق في كفاحنا الإسلامي الحديث".


الغزالي تحدث عن الهضيبي في فصل حمل اسم "السمع والطاعة" ، وفيه نري هجوما ضاريا من الشيخ على المرشد الثاني لخلاف كان بينهما ، شق صف الإخوان في 1953 ، وكان سببا في فصل الغزالي من الجماعة ، ومعه عبد الرحمن السندي وأحمد عادل كمال وصالح عشماوي وأحمد حسن زكي ومحمود الصباغ.
لكن لا يوجد في الفصل أي ذكر لسيد قطب ولا انحرافه عن توجه الجماعة.. أو ما ذكره الخرباوي في حديثه لأحدي الفضائيات بأن الغزالي قال أن مصطفي السباعي كان ماسونيا!!.
http://www.youtube.com/watch?v=qs5OpGjRUME
نقلب في صفحات الفصل حتى نصل إلى صفحة 267 ونقرأ :
"وكان حسن البنا من طراز فريد في دأبه ونصبه ، وكانت ثروته الطائلة من المواهب المتعددة تجعله المالك الأوحد لزمام التوجيه والتنفيذ في شئون الجماعة ، فلم يشعر أحد بفراغ الميدان من الرجولات المقتدرة في الصف الأول من جماعة الإخوان المسلمين إلا يوم قًتل حسن في الأربعين من عمره ....

لقد بدا الأقزام على حقيقتهم بعد أن ولي الرجل الذي طالما سد عجزهم...
وكان في الصفوف التالية من يصلحون بلا ريب لقيادة الجماعة اليتيمة .
ولكن المتحاقدين الضعاف من أعضاء مكتب الإرشاد حلوا الأزمة ، أو حُلت بأسمائهم الأزمة بأن استقدمت الجماعة رجلا غريبا عنها ليتولي قيادتها.

وأكاد أوقن أن وراء هذا الاستقدام أصابع هيئات سرية عالمية أرادت تدويخ العالم الإسلامي الوليد فتسللت من خلال الثغرات المفتوحة في كيان جماعة هذه حالها وصنعت ما صنعت.

ولقد سمعنا كلاما كثيرا عن انتساب عدد من الماسون بينهم الأستاذ حسن الهضيبي نفسه لجماعة الإخوان ولكنني لا أعرف بالضبط كيف استطاعت هذه الهيئات الكافرة بالإسلام أن تخنق جماعة كبيرة على النحو الذي فعلته ؟ وربما كشف المستقبل أسرار هذه المأساة".

انتهي ما نقلناه عن الغزالي..
فأين ما ذكره الخرباوي من أن الغزالي اتهم سيد قطب بالانحراف عن طريق حسن البنا؟!!
ها هو الكتاب بين أيدينا ، الطبعة الأولي والثالثة، ولا يوجد أي ذكر لسيد قطب.ولا نعلم من أين أتي الخرباوي باتهام الغزالي لسيد قطب بالانحراف عن طريق البنا!!


حديث الغاضب


قد يقول قائل: ولكنك أثبت هنا صحة ما كتبه الخرباوي نقلا عن الشيخ الغزالي بأن حسن الهضيبي كان ماسونيا!!
لكي ندرك مغزي كلمات الغزالي، لابد من معرفة السياق التاريخي، والأحداث التي حدثت في أوائل الخمسينات من القرن الماضي.
مات حسن البنا مقتولا عام 1949 ، وظل الإخوان بلا مرشد فترة من الزمن، حتى تم اختيار الهضيبي مرشدا، رغم كونه من خارج الجماعة كما رأي الغزالي.

كان الغزالي لا يري الهضيبي كفئا للمنصب الخطير، فكتب:
 " لقد جاء حسن الهضيبي وهو أحدث الناس عهدا بدعوة الإخوان المسلمين ، فأراد أن يكون أقدم الناس فيها بإخراج غيره .. وجاء قزما بين عمالقة .. فشاء أن يكون عملاقا بين أقزام ".. وفي موضع أخر يكتب " وقلت: أما نتخير رجلا له فضل علم وتربية ، ليأخذ بنواصي الإخوان إلى الخير؟".
اختلفت رؤية الرجلان حول العديد من الأمور، ومنها موقف الإخوان من ثورة 1952 ، فقد كان الغزالي يري ضرورة عدم الصدام معها ، ويري الخير في رجالها.. وجرت أحداث سماها الإخوان بـ"محاولة الانقلاب على المرشد" نهاية عام 1953 ، وانتهي الأمر بفصل الغزالي من الجماعة ، رغم كونه من القيادات ذات الطراز الرفيع.

وغضب فذكر أسوأ ما علم عن الهضيبي..
ولنربط هنا بين حديث الغزالي مع صديق له:
قال: ألم تتناول الهضيبي باللسان الحاد؟ قلت: غضبت فذكرت أسوأ ما علمت. وبين كلماته التي اتهم فيها الهضيبي بالماسونية "ولقد سمعنا كلاما كثيرا عن انتساب عدد من الماسون بينهم الأستاذ الهضيبي نفسه لجماعة الإخوان "..
لقد سمع الغزالي عن انتساب عدد من الماسون بينهم الهضيبي للإخوان.. سمع ولم يكن يملك دليلا واحدا على ما قاله..
وما دفعة ليكتب ما كتب هو الغضب الذي استولى عليه ، فأورده هذا المورد ، ليذكر كل السيئات التي وصلت إلى سمعه عن الهضيبي.


الحاشية المهملة

ولكن: هل أنت تتهم هنا الغزالي بالرعونة والتسرع وإلقاء التهم جزافا؟
قلنا أن فصل السمع والطاعة كان هجوما شرسا على الهضيبي.. نقرأ مثلا:
" وكما ينسب الفلاحون في ريفنا طائفة من الكرامات الخارقة إلى أصحاب القبور المدفونين في قراهم ، أخذ المضللون من الإخوان يشيدون بكفايات المرشد الجديد .. فإذا اصطاف بالإسكندرية قالوا: يتعهد الدعوة في الثغر ! وإذا ذهب إلى لبنان – لأن هواءها أنقي- قالوا: يحرس قضايا العرب ، ويشجع المرابطين في القدس تجاه اليهود !....

وإذا اختفي عن العيون قالوا: أوي إلى الغار كما أختفي النبي صلي الله عليه وسلم في أعين الكفار..

وطبيعي أن رجلا من هذا الطراز المحظوظ لن يضمر في نفسه إلا التنقص لكل ذي مكانة أو قدرة في جماعة الإخوان المسلمين.

ذلك أنه لم يأت عن تقدير للسبق والوفاء ، وبعد الهمة وعموم النفع فكيف يقدر صفات لم ينظر إليها قط عند استجلابه؟."

عند هذه النقطة وضع الشيخ الغزالي علامة تشى إلى وجود تعقيب منه أسفل الصفحة ، أهمله الخرباوي تماما .. يقول الغزالي في الحاشية المهملة:
" في هذه الصفحات مرارة تبلغ حد القسوة ، وكان يجب ألا يتأدى الغضب بصاحبه إلى هذا المدى ، بيد أن ذلك – للأسف – ما حدث ، وقد عاد المؤلف إلى نفسه يحاسبها وتحاسبه في حديث أثبته آخر هذا الباب".

فالغزالي كان سريع الغضب..
يقول الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه " الشيخ الغزالي كما عرفته "..
"صحيح أنه أخُذ على الشيخ أنه سريع الغضب ، وأنه إذا غضب هاج كالبحر ، حتى يُغرق ، وثار كالبركان حتى يُحِرق !
وقد ظهر هذا في خلافه مع الأستاذ الهضيبي – المرشد الثاني للإخوان – وما كتبه عنه في مجلة الدعوة ، ونشر في كتابيه "في موكب الدعوة " و"من معالم الحق".
وهذا ما لا يجحده الشيخ الغزالي ، وما يعلمه من نفسه ، ويعلمه من عايشه وعاشره....
ثم إن من صفات الشيخ الغزالي أنه – إن كان سريع الغضب – فهو سريع الفيء ، رجاع إلى الحق إذا تبين له ، ولا يبالي أن يعلن خطأه على الناس علانية ، وهذه شجاعة لا تتوافر إلا للقليل النادر من الناس. فهو شجاع عندما يهاجم ما يعتقده خطأ ، شجاع عندما يعترف بأنه لم يحالفه الصواب فيما كان قد رآه".

 
حديث النفس والعودة

لكن ما هو الحديث الذي أثبته الغزالي في نهاية الفصل، ويهدم ما يقوله الخرباوي بأن الشيخ الغزالي لم يعتذر للهضيبي، وأن الإخوان هم من قاموا بحذف كلماته عن المرشد؟.

في نهاية فصل "السمع والطاعة" يقول الغزالي:
"هممت - غير مرة – أن أطوي هذا الذي كتبته في السمع والطاعة بعد الأحداث الجسام التي قرعت أبناؤها الآذان ، وأغنت مرارتها عن كل تبيان.
لكني آثرت أن أرويها كما وقعت في إبانها لأمور:
منها إنصاف الحقيقة العارية ، وذكرها للتاريخ العدل. فلعل المتأمل فيها بعد انقضائها يجد فيها معاني لا نٌدركها – نحن المعاصرين لها.

ومنها قمع الغرور الذي يستولي على أغلب العاملين في البيئات الدينية ، فيشط بعضهم بعيدا عن مرضاة الله وعن إقناع العقلاء ..... "

الفقرات التي أثبتناها للشيخ الغزالي ، مر عليها الأستاذ ثروت الخرباوي تماما ، رغم أنني أنقل من الطبعة الأولي للكتاب والتي صدرت في منتصف الخمسينات من القرن الماضي. وفيها يقول الشيخ بأن أراد أكثر من مرة أن يطوي ما كتبه في فصل "السمع والطاعة" مبينا أن سبب رغبته في طي ما كتبه "بعد الأحداث الجسام التي قرعت أبناؤها الآذان ، وأغنت مرارتها عن كل تبيان" دون أن يوضح صراحة ما هي تلك الأحداث؟
هل يقصد الاعتقالات التي أصابت الإخوان ، وكل معارضي النظام الحاكم آنذاك؟! هل يقصد السجون التي فتحت أبوابها اللعينة تستقبل كل من يهمس بكلمة معارضة للحاكم الفرد؟

وفي الطبعة الثالثة أعاد الغزالي إثبات الفقرات السابقة ، وأضاف إليها كلمات في منتهي الأهمية ، وأيضا نالت تجاهل الأستاذ الخرباوي.
   
" ومضت سنون عجاف ، واستمكنت القوي الشريرة من خناق الإسلام ، وغاب في ظلمات السجون ألوف وألوف من الشباب المؤمن بربه ، الغيور على دينه ، وخلا للشيطان الرجيم يذرع البلاد شرقا وغربا دون تهيب أو خشية ..
وانقطع الهتاف لله ، وانطفأ الحماس للحق ، وتقلب في مهاد الذل من أعلي ولاءه للقرآن ونبيه ، واصطلح الإلحاد والشرك على سحق التوحيد ورجاله ، وأمسي الانتماء للإسلام مثلبة تنكس الرءوس ، وتبيح الأعراض ، وترخص الحرمات..!!

ونظرت فإذا وجه الحياة دميم ، وملامح المجتمع منكرة ، وأزمة الإيمان طاحنة ، وتذكرت قول أم المؤمنين عائشة:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم .. وبقيت في خلف كجلد الأجرب"

الآن.. وبعد أن إبان الغزالي عن تعاطفه مع الإخوان في محنتهم..يقدم اعتذارا صريحا للهضيبي..اعتذار كتبه في عام 1963 .. في قمة قوة العهد الناصري..
اعتذر للهضيبي الذي شن عليه حربا في فصل "السمع والطاعة" فكانت كلماته كنيران البركان تحرق وتشوي.. وبعد أن استكانت النفس..وزال الغضب..وانكشفت السحب القاتمة.. وبدت من ورائها شمس الحقيقة..وعرف أن الهضيبي كان على الحق فيما اختلفا عليه..
فكتب الغزالي يقول:

"قال لي صديق: أحننت لماضيك ؟
قلت: حنيني أبدا إلى العدل والمرحمة!
قال: ألم تتناول الهضيبي باللسان الحاد؟ قلت: غضبت فذكرت أسوأ ما علمت.
ومن حق الرجل أن أقول عنه: إنه لم يسع إلى قيادة الإخوان ، ولكن الإخوان هم الذين سعوا إليه ، وأن من الظلم تحميله أخطاء هيئة كبيرة مليئة بشتى النزعات والأهواء ..
ومن حقه أن يعرف الناس عنه أن تحمل بصلابة وبأس كل ما نزل به ، فلم يضرع ولم يتراجع ، وبقي في شيخوخته المثقلة عميق الإيمان ، واسع الأمل حتى خرج من السجن ..
الحق يقال.. إن صبره الذي أعز الإيمان ، رفعه في نفسي , ويغفر الله لنا أجمعين ...!"

أي كلمات تُكتب بعد الذي قاله الغزالي في حق الهضيبي؟..

بعد محنة السجن


ويقص علينا الشيخ يوسف القرضاوي هذا الموقف ، الذي حكاه له الدكتور مالك الشعار، القاضي الشرعي بلبنان .. قال : كنا في جنازة أظنها كانت لزوجة الإمام الشهيد حسن البنا ، والتقي فيها الأستاذ الهضيبي والشيخ الغزالي ، فما راعني إلا رأيت الغزالي ، يحاول أن يمسك بيد الهضيبي ، يريد أن يقبلها .. والهضيبي يأبي ، والشيخ يصر ، فازددت والله إكبارا وإجلالا للغزالي على هذا التواضع العجيب ، مع أنه كان في ذلك الحين ملء الأسماع والأبصار. ولكن هكذا تكون أنفس الدعاة الكبار!

وكان مما هز الشيخ الغزالي وقدره من مواقف الأستاذ الهضيبي ، أنه أوصي في مرض موته أن يدفن في مقابر الصدقة ، التي يدفن فيها الفقراء والغرباء ! وهو من هو في منزلة ومنصبا وجاها. فإنما إن دل على شيء يدل على أن الرجل من الله بمكان أي مكان!

وقد سجل هذه المأثرة للرجل الكبير ، مقدرا ومتأثرا في بعض كتبه فقال:
من أيام مات الأستاذ حسن الهضيبي وبلغتني وصيته: لقد أوصي أن يدفن خفية ، لا إعلان ولا مواكب , وطلب أن يواري جثمانه في مقابر الصدقة..
وعقدت لساني دهشة , وأنا أسمع العبارة الأخيرة في مقابر الصدقة!

إنني أعرف حسن الهضيبي ، وقد أصلحت ما بيني وبينه قبل أن يموت بنحو عامين.. في نفس هذا الرجل ترفع وأنفه لا يتكلفها ، وهو إذا اعتقد شيئا استمات فيه دون لف أو مكر..
قلت: ولم مقابر الصدقة؟!
ولم يغب عنى الجواب. لقد كان مستشارا راسخ المكانة، رفيع الهامة.
لو اشتغل بمهاجمة الشريعة الإسلامية لنال جائزة الدولة التقديرية التي نالها غيره. ولو خدم الغزو الثقافي لعاش في شيخوخته موفور الراحة , مكفول الرزق.
ولكنه خدم الإسلام ، فتجرع الصاب والعلقم ! طعن مع الدين الجريح . وأهين مع الدين المهان! فأراد أن تصحبه هذه المكانة في منقلبه إلى الله !
فليدفن في مقابر الصدقة مع النكرات التي لا يباليها المجتمع!
فليدفن مع أناس أسلموا أرواحهم في غرفات السجن الحربي ، وهم رازحون تحت وطأة عذاب تنوء به الجبال !

الثلاثاء، 14 فبراير 2012

ليس ذنبهم أن يومك كان سيئا !

الحياة معترك صعب.. كثيرة هي مشاكلها.. لكن لا ذنب للصغار أن يكتووا بنيران المصاعب التي تواجه الكبار.

كل يوم.. يمر الآباء والأمهات في حياتهم الخاصة بمواقف صعبة , فالحياة ليست نزهة على شاطئ السعادة تمر هادئة , وادعة .. فهناك ما قد يعكر صفوها , فهذا يشكو ويئن من مشكلاته مع زوجته , وغدر الأصحاب , وسخافات المدير , وازدحام الطرق , وغلاء الأسعار , واستغلال الجشعين.. فيعود إلى البيت وهو يحمل على أكتافه كل تلك الهموم.. يقابله أطفاله سعداء , يمزحون معه , فلا يجدون إلا صدا ونفورا.. لقد أصبح كارثة تمشي على الأرض!.

وفجأة.. يرتكب الطفل خطأ بسيط , فتتجمع كل سحب الغضب في عقله , وتمطر صراخا وغضبا على الأطفال.

تلك الأجواء الغاضبة العاصفة لا تُنبت في نفس الأطفال إلا الحزن , ويتساءلون في عجب: ما خطأنا أن يوم أبانا كان سيئا!!.
تقول سارا بادكليف في كتابها الرائع "التربية":
" أننا حينما نشعر بالتوتر ننقل مشاعرنا السلبية إلى الأطفال..
قد لا يكون الإرهاق وحده سبب كل متاعبنا..
قد نعاني من مشاكل في العمل..
أو عدم توافق أسري بين الزوجين..
بإمكان كل ذلك إطلاق نوبات غضب.. والنتيجة أن يجد الصغار أنفسهم متواجدين مع كبار يشعرون بالتعاسة.
ويفسر الأطفال تلك التعاسة على أنهم هم السبب فيها..
ولا يستطيعون إدراك إمكانية أن يكون لدي الوالدين مشاكلهما الخاصة بهما".


الآن.. لنعيد المشهد السابق بطريقة عكسية..
يعود الأب إلى البيت , يترك على عتبته كل همومه وأوجاعه.. يفتح صدره لأطفاله , فيرتموا في حدائقه , فيزرعوا فيها فرحة وسعادة , ينثروا على وجهه قبلات , تضيء ابتساماتهم روحه , تغسل كلاماتهم البريئة همومه .

ألن يكون هذا الأب سعيدا ؟ وينقلب كدر اليوم إلى فرح ؟ ألن تمده ابتسامات الأطفال بطاقة تدفعه إلى مزيد من تحدي الحياة والسعي فيها؟ .

في هذا المعني الرائع..يقص علينا عالم النفس الشهير "نورمان فنسنت بيل" في كتابه "الحياة بلا خوف" قصة فتاة في أحدي قري اسكتلندا , ترملت وهي في السادسة والعشرين من عمرها , ترك لها زوجا عدد من الأطفال الصغار , ورغم ذلك استطاعت أن تمضي في بحر الحياة المتلاطم حتى صار أولادها رموزا في المجتمع. كيف ذلك؟

يقول بيل: بعد أن انقضت فترة الحداد كان لها أن تساعد هؤلاء الصغار.. عملت في الحقل الذي تركه زوجها الراحل.. كانت البداية شاقة متعبة.. فبأي قوة كانت ترعي شئون الأطفال في البيت؟ّ!.

"كانت تعود إلى بيتها بعد غروب الشمس , متهالكة متعبة , ولكنها لا تكاد تلتقي بصغارها الذين قضوا النهار في انتظار عودتها وتري تلك الابتسامات الحلوة التي تملأ وجوههم وهم يلتفون حولها , حتى تقفز من رقدتها , وتسرع إلى المطبخ لتعد لهم وجبة الطعام الوحيدة التي يملئون بها معدتهم الخاوية".

وفي الصباح تري زهورها الصغيرة وقد كبرت يوما , والابتسامات تفوح منها , فتسري الطاقة في جسمها تحثها على مزيد من العمل والكد من أجل أن تكبر الزهور وتصير رجالا ونساء عظماء في المجتمع . وهو ما كان.


بعض الآباء والأمهات يزعمون أن سفينة يومهم حينما ترسو في البيت تجبرهم على طلب الراحة لذلك الجسد المكدود , فلا يقدرون على المزاح مع الأطفال أو تحمل أخطائهم الساذجة..
وتلك والله حجة باطلة!.


رسولنا × كان إذا أقبل من سفر , استقبله الصبيان , فيحمل بعضهم بين يديه , وبعضهم خلفه.. وكان يأمر أصحابه أن يفعلوا مثله..لا يمنعه من ملاعبة الأطفال..جسده الذي يطلب بعض الراحة والسكينة بعد رحلات الجهاد الشاقة التي يخوضها في سبيل الله تحت حرارة شمس الصحراء الحارقة والسير فوق رمالها الساخنة.

ويروي الشيخان عنه × أنه كان يقول: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله).


الدكتور سبوك في كتابة "تربية الأبناء في الزمن الصعب" يقدم لنا نصيحة هامة فيقول:
" لا تجعل الطفل سببا لكل منغصات حياتك فتنفجر فيه وكأنك تنهال ضربا على ظروفك الصعبة".

فلا تستخدم الإزاحة في معاقبة الأبناء..
لا تنقل العقاب من طرف أقوي إلى طرف أضعف..
تعاني المشاكل مع مديرك في العمل , فلا ترد عليه , وتصب غضبك على أبنائك في البيت.
والأم لا تستطيع أن تتعامل مع زوجها فتكيل الضرب والسب على الصغار.

لهذا ...قبل أن نعاقب أبنائنا علينا أن نبحث في أعماقنا أولا.. ونحل مشاكلنا مع أنفسنا قبل أن نحل مشاكلهم.